هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

قراءة في الأبعاد الحكميّة والحضاريّة

حوار

قراءة في الأبعاد الحكميّة والحضاريّة

لشخصيّة سماحة آیت‌الله الشهيد السيد علي الخامنئي(قد)حوار مع الباحثة والمفكّرة الروسيّة «فاطمة أناستازيا يوجوفا»

إجراء وإعداد: حميد كرمي

المقدّمة والتعريف بضيفة الحوار
أتاح انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران وإقامة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة آفاقاً جديدة أمام مفكري العالم في نقطة التلاقي بين «الدين» و«السياسة». وفي هذا السياق، كانت تجربة القيادة لدى سماحة آیت‌الله الخامنئي(قد)  -بوصفها امتداداً شايقاً لهذا المسار- محطّ اهتمام وتركيز المصلحين والمحلّلين الدوليّين؛ إذ استطاع إقامة صلة وثيقة بين «المعنويّة الشيعيّة» و«العقلانيّة السياسيّة»، وقدّم للعالم المعاصر نموذجاً مصلحاً ومصنّعاً للحضارة.
ولتبیين الأبعاد الفلسفيّة والحكميّة والدوليّة لشخصيّته الشريفة، التقينا السيّدة «فاطمة أناستازيا يوجوفا»؛ وهي خريجة قسم الفلسفة بجامعة موسكو الحكوميّة (MSU)، ومترجمة، وكاتبة، ورسّامة، وباحثة روسيّة بارزة تنشط منذ سنوات في مجال الدراسات الإسلاميّة والشيعيّة ودراسات المرأة. ونظراً لإحاطتها بالخلفيّات الفلسفيّة الشرقيّة والغربيّة، تُحلّل الباحثة يوجوفا أبعاد شخصيّة الآية الشهيد وقيادته من زاوية جديدة ورؤية حكميّة.
يسعى هذا الحوار، المقدّم لأساتذة الحوزة والجامعة وفضلائهما وباحثيهما، إلى قراءة النموذج القياديّ لسماحته بوصفه «نموذجاً بليغاً في بناء الحضارة» في مواجهة الحداثة والإلحاد الغربيّ.
 
 
١. تلاقي الحكمة المعنويّة وسیاسة إدارة العالم
سؤال: بوصفك خريجة الفلسفة من جامعة موسكو الحكوميّة، كيف تُحلّلين شخصيّة الشهيد آیت‌الله الخامنئي(قد) في نقطة التلاقي بين «السلوك العرفاني» و«التدبير السياسي»؟ وما العنصر المكين في بنيته الفكريّة الذي سمح له بتجاوز الحدود الجغرافيّة والتأثير في أحرار العالم وطالبي الحقيقة خارج النطاق الإسلامي؟
الباحثة: قبل كلّ شيء، إنّ هذا الخطاب بدأه الإمام الخميني؛ تلك الشخصيّة التي كانت في آنٍ واحد عارفاً، وأعلى مرجعيّة دينيّة (مرجعاً للتقليد)، ورجل دولة وسياسة أكّد على الاقتران الذاتي بين المعنويّة والسياسة في الإسلام منذ بزوغ فجره.
ومن ثمّ، فإنّ الوحي الإلهي شاملٌ للأمور العباديّة وللمسائل الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والأسريّة والاقتصاديّة (المعاملات). والهدف الأسمى لهذه القوانين المُنَزَّلة من الله تعالى هو إقامة العدل وتوفير التناغم في المجتمع. ولتطبيق هذه الأحكام، تُوجد حاجةٌ ماسّة إلى قائدٍ ديني وسياسيّ محيط بالقوانين الإسلاميّة ومقتدرٍ على إدارة الدولة والمجتمع وفقاً لها.
والركيزة الأخرى في هذه الأيديولوجيا هي الاقتداء بالإمام الحسين(ع) في مقارعة الطواغيت ومواجهة الظلم. وهذا النهج لا يقتصر على المسلمين المستضعفين الخاضعين للهيمنة والاستعمار الغربي، بل يشمل المظلومين في العالم كافة؛ كما قال الإمام عليّ(ع): «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ».
ولقد كان آیت‌الله الخامنئي الفقيد وريثاً أميناً لهذا الخطاب ومتبعاً وفياً له، حيث جسّد هذه المبادئ في سيرة حياته؛ فقد أصبح رمزاً حقيقيّاً لمناهضة الإمبراطوريّة والرأسماليّة الغربيّة، وساهم مساهمة قيّمة في تشكيل حركات المقاومة في غرب آسيا التي تُكافح العنصريّة والاحتلال والفصل العنصري الصهيوني.
ومن الميزات البارزة لهذا القائد الشهيد عنايته الفائقة بالعلم والفنّ؛ إذ كان يُشجّع على التقدّم العلمي باستمرار، ولم ينعكس ذلك في خطاباته فحسب، بل في فتاواه الشرعيّة أيضاً، حيث تميّز باطلاع واسع في مختلف المجالات العلميّة والفقهيّة والمستحدثات الطبية.
كما كان مديراً لخبايا الفنّ ومحبّاً صادقاً للأدب؛ يجلّ الأدب الروسي والفرنسي ويقرأ لكبار الكتاب أمثال تولستوي، وشولوخوف، وغوركي، وهوجو. وقد أتاح له ذلك أن يتجاوز حدود الانتماء إلى دين أو حضارة معيّنة، وأن يكسب محبّة وتقدير شعوب مختلفة في أنحاء العالم.
٢. العقلانيّة الثوريّة في مواجهة الإلحاد الحديث
سؤال: في عصر الفراغ الروحي المعاصر، كيف تحدّت رؤيته في «العقلانيّة الثوريّة» المآزق الناجمة عن الماديّة الغربيّة؟ وكيف قدّم نموذجاً يجمع بين التقيّد الديني ومقتضيات العالم الحديث بحيث يكون مفهوماً وعمليّاً لدى النخب غير الإيرانيّة؟
الباحثة: لم تكن أيديولوجيا الثورة الإسلاميّة ثوريّةً لمجرّد إطاحة نظام الشاه وتأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة فحسب، بل كانت ثوريّة في تجاوُزها للخطاب الإلحادي اليساري أيضاً.
في الاتحاد السوفيتي، كانوا يلقنوننا أنّ كلّ دين إنّما يخدم المستبدين وأُنشئ بالأساس لهذا الغرض، وأنّ الشيوعي الحقيقي الذي يُكافح الظلم العالمي والرأسماليّة يجب أن يكون ملحداً، لأنّ الدين يُكرّس - بزعمهم - أنَّ الحكّام والسلطات مُعيّنون من الله!
وهذا التقديم وإن صحّ على الأديان المحرّفة، إلا أنّ الدين الإلهي الأصيل يُناهض هذا الطرح بشدّة؛ إذ يعلّم الرسل أنّ الواجب هو التصدّي للظلم والحكام الجائرين والاحتلال والفصل العنصري. وقد غدت الثورة الإسلاميّة أنموذجاً ساطعاً لتطبيق هذه المبادئ الدينيّة.
والنقطة الأخرى التي يركّز عليها الملحدون هي مدّعى التعارض بين الدين والعلم. قد يصحّ ذلك في أديان معيّنة، لكن كما أسلفنا، كان آیت‌الله الخامنئي مُشجِّعاً للنهضة العلميّة ولفهم الآيات المتشابهة في القرآن الكريم بما لا يتناقض مع العلم الحديث، ومقدّماً بذلك الصورة الجليّة للعقلانيّة الإسلاميّة الحقيقيّة.
٣. الجيوسياسات الفكريّة للرسائل الموجّهة إلى الشباب الغربي
سؤال: كيف تُقيّمين أثر الرسائل التي وجّهها آیت‌الله الخامنئي إلى الشباب في الغرب في تغيير الحسابات الثقافيّة للنخب الباحثة عن الحقيقة وبأيّ منطق فلسفي يمكن تفسير هذه المبادرة بوصفها خطوةً نحو كسر الاحتكار الإعلامي الغربي وإنشاء «دبلوماسيّة الفطرة»؟
الباحثة: للأسف، تعمل الدعاية الغربيّة على وضع العراقيل أمام نشر الإسلام الأصيل وتشويه صورته الناصعة. ولذلك لستُ متأكّدة من وصول هذه الرسالة الحكيمة إلى كلّ فرد من الشباب الغربي، لكنني على يقين من أنّ الكثيرين منهم قد اطّلعوا عليها.
ومع ذلك، فنحن نشهد تحولات إيجابيّة في أوساط الشباب الغربي؛ حيث يخرج الكثير منهم إلى الشوارع تنديداً بالحرب على غزة وإبادة آلاف الفلسطينيّين. ولا شكّ في أنّ رسائل سماحته كانت إحدى اللبنات الأساسية والمؤثّرة في حركة هذا الوعي.
٤. تبيين «النموذج الثالث للمرأة»
سؤال: بالنظر إلى نشاطاتكِ في مجال قضايا المرأة، كيف تُقيّمين رؤية القائد الشهيد حول «النموذج الثالث للمرأة» (لا شرقي ولا غربي) في الفضاء الفكري لروسيا والدول المجاورة لها؟ وإلى أي مدى ساهمت هذه الرؤية في إعادة تعريف هويّة المرأة المسلمة المعاصرة؟
الباحثة: إنّه موضوعٌ في غاية الأهميّة والراهنيّة، وهو معرّض لسوء فهم واسع في الغرب؛ إذ يظنون أنّ المرأة الإيرانيّة والمسلمة تعيش تحت وطأة نظام أبويّ تسلطيّ. والحقيقة أنّ الإسلام الأصيل لا يروّج للسلطة الذكوريّة الأبويّة ولا للسلطة الأمومية أو النسويّة (الفيمينيزم).
في العديد من المجتمعات الشرقيّة التقليديّة، يُنظَر إلى المرأة بوصفها كائناً يُحرم من حق التعليم وتعلّم العلوم والفنون واختيار الزوج، وتُحصر رسالتها في خدمة الزوج والطهي والتنظيف ورعاية الأطفال. والبعض يحسب هذه الأعراف الذكوريّة من الإسلام، وهي ليست منه في شيء.
لقد كان آیت‌الله الخامنئي يُشجّع الحراك الاجتماعي للمرأة في كنف الأسرة والمجتمع على حدٍّ سواء؛ فكان يرى نيل التعليم العالي وتبوّؤ المنازل المرموقة في المجتمع والتمكّن في العلم والفنّ أمراً مهمّاً للمرأة، بشرط ألا يضرّ بدورها الأساس والأوّل كزوجة وأم. وهذا هو «النموذج الثالث» للمرأة؛ النموذج الذي يتّسم بالعدالة والمطابقة للفطرة والجاذبيّة الحقيقيّة.
٥. الإرث الحضاري وأفق المستقبل
سؤال: من منظور باحثة روسية، ما هو الإرث الحضاري الذي تركه آیت‌الله الخامنئي لجبهة المقاومة العالميّة والمفكرين المسلمين في مواجهة الاستعمار الجديد؟ وما الآفاق الجديدة التي ستفتحها شهادته أمام «الحضارة الإسلاميّة الحديثة»؟
الباحثة: طالما كانت الشهادة هي حجر الزاوية في الإسلام والتشيع، ونستطيع أن نجد جذور هذا الخطاب في سيرة الصحابة الأخيار لنبيّنا(ص)، ثمّ في شهادة الإمام عليّ والإمام الحسين والأئمّة المعصومين(ع). فالشهادة هي قلب التشيع وجوهره الأصيل، ونحن نؤمن بأنّها أعظم الفوز، وأنّ الشهداء أحياءٌ يُرزقون ولهم الدرجات العلى في الجنان.
ولذا، فإنّ ثقافة جبهة المقاومة قامت دوماً على مفهوم الشهادة، وهذا ما لا يستوعبه العدوّ؛ إذ يحسب أنّ استشهاد قادتنا ومجاهدينَا سيلقي الرعب في قلب محور المقاومة، بينما الحقيقة هي أنّ ذلك يزيد التابعين إلهاماً وثباتاً. ولقد رأينا جميعاً المسيرات الحاشدة في مختلف المدن الإيرانيّة حيث خرجت الجماهير لتجديد الولاء للحكم الإسلامي؛ ولم تكن تلك الجماهير تقتصر على المتدينين، بل شملت أطيافاً مختلفة.
أعتقد أنّ هذا التلاحم يمثّل الأرضية الخصبة لبناء حضارة إسلاميّة حديثة؛ حضارةٍ تقوم على الأحكام الشرعيّة الأصيلة، وتعتمد في الوقت ذاته على العلم والجمال والعدالة والمعرفة والحكمة.
٦. سؤال ختامي
سؤال: خلال سنوات بحثكِ، ما هي السجية الأخلاقيّة أو الفكريّة في سيرته التي كان لها الأثر الأكبر عليكِ، واخترتها كـ «إرثٍ خالد» من ذلك الحكيم الشهيد؟
الباحثة: بلا شكّ، إنّها التضحية والمجازفة في سبيل إقامة العدل دون خوف أو وجل، ونصرة المستضعفين، والجهاد لأجل تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، فضلاً عن مناهضة الإمبرياليّة والرأسماليّة الأمريكيّة.
كما أنّ شغف القائد الفقيد بالفنون يجذبني بشدّة؛ إذ إنني لستُ خريجة كلية الفلسفة فحسب، بل إنني رسّامة وكاتبة واعدة أيضاً.
المصدر: جریدة «أفق حوزه» الأسبوعية

برچسب ها :
ارسال دیدگاه