قبس من نور
حين تفضحك العبادة ويتساقط وهم الاستحقاق
أحمد باقر الطویل
قد لا تكون عبادتك طريقًا إلى الله، بل اللحظة التي تُفضَح فيها أمام نفسك.
في لحظة العبادة يبدو كل شيء بسيطًا: قيام، ركوع، دعاء، ذكر. لكن ما لا يُرى أخطر بكثير مما يُرى، لأن العبادة لا تمرّ كفعل خارجي عابر، بل تمرّ من خلال الإنسان نفسه، وتكشفه دون أن تستأذن. وهنا يبدأ السؤال: هل الإنسان هو الذي يؤدي العبادة، أم أن العبادة هي التي تعيد تشكيله أثناء أدائها؟
العبادة ليست حركة نحو الله فقط، بل حركة داخل الإنسان أيضًا، تُعيد ترتيب أعماقه بصمت، وقد لا يشعر بها لحظتها، لكنها تعمل في العمق دون توقف.
ولذلك، لا يمكن فهم العبادة كفعل بسيط، لأن أثرها يتجاوز الشكل إلى الداخل، حيث يُبنى شيء ويُهدم شيء ويُكشف شيء دون إعلان.
كما أن الوجود نفسه ليس طبقة واحدة، بل طبقات متداخلة من المعنى، لا تنكشف دفعة واحدة. ما يظهر منه ليس إلا سطحًا أوليًا، بينما الحقيقة تتكشف بقدر تغيّر الوعي لا تغيّر الأشياء. ومن يتعامل مع العالم على أنه ظاهر فقط، يبقى محجوبًا عن عمقه الحقيقي.
وهكذا تكون العبادة أيضًا: ليست ما تراه العين، بل ما يحدث في الداخل أثناءها وبعدها.
الأخطر ليس ترك العبادة، بل أن تمارسها دون أن تمسّك.
لأن العبادة ليست إضافة إلى الحياة، بل اختبار صامت لمدى قابلية الإنسان للتحول.
الصلاة التي لا تغيّر، لم تصل بعد إلى معناها، والصوم الذي لا يعيد تشكيل الداخل، لم يدخل بعد إلى حقيقته.
وقد ورد في المعنى عن أمير المؤمنين(ع): “إنما هي قلوب تمرّ على الأعمال، لا الأعمال التي تمرّ على القلوب” (بحار الأنوار)، إشارة إلى أن الأصل ليس في الفعل وحده، بل في أثره الداخلي.
وفي لحظة أعمق، يتغير السؤال: ليس هل أدّيت العبادة كما ينبغي؟ بل ماذا فعلت بك العبادة بعد أن انتهيت منها؟
فالعبادة لا تُقاس بسلامة الأداء، بل بعمق التحول. وقد يظن الإنسان أنه ثابت، بينما هو يتغير دون أن يشعر، أو يظن أنه لم يتغير، بينما الداخل قد بدأ بالانقلاب.
وهنا تظهر المفارقة: بعض العبادات تنتهي بانتهائها، وأخرى تستمر في الإنسان بعد انتهائها، والفارق بينها ليس في الشكل، بل في مقدار ما غيّرته في الداخل.
وفي أعمق طبقات الفهم، تتحول العبادة من مجرد فعل إلى انجذاب داخلي، كما ورد عن الإمام الصادق(ع): “هل الدين إلا الحب؟” (الكافي)، أي أن ما لا يبدأ بمحبة يبقى فعلًا خارجيًا، أما ما يدخل فيه الحب فيصبح حياة تُعاش لا طقسًا يُؤدى.
وفي النهاية، لا يعود السؤال: هل اقترب الإنسان من الله؟ بل: هل اكتشف نفسه أثناء هذا الاقتراب؟
فالعبادة ليست ما يقرّبك فقط، بل ما يكشفك لك أولًا.
وقد يكتشف الإنسان متأخرًا أن أخطر ما في عبادته، أنه لم يكن حاضرًا فيها كما كان يظن.
أحمد باقر الطويل
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




