هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

هل تقف على باب الله عبدًا أم مستحقًا؟

قبس من نور

هل تقف على باب الله عبدًا أم مستحقًا؟

أحمد باقر الطويل

في المسجد النبوي، وأمام مقام النبي(ص)، لا يبقى الإنسان كما كان. هناك، حيث تختلط الدموع بالسكينة، يكتشف الإنسان حقيقةً لم يكن يراها بوضوح: أنه فقير مهما ظن أنه قدّم.
وسط الزحام واختلاف الوجوه واللغات، كان الشعور واحدًا: حاجة عميقة لا تُقال. ومع استحضار ذكرى استشهاد الإمام جعفر الصادق(ع)، لم يكن الحزن وحده حاضرًا، بل سؤالٌ أعمق: هل نقف هنا نطلب حقًا لنا، أم نرجو فضلًا منه؟
 
الإنسان بطبعه، إذا أطاع، شعر أنه قدّم، وإذا قدّم، ظن أن له مقابلًا. نصلي، نصوم، نزور، ثم في داخلنا صوت خفي: أليس لي عند الله شيء؟ لكن القرآن يكسر هذا الوهم من جذوره: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ليس الشرك هنا مجرد عبادة غير الله، بل كل شعورٍ يرى فيه الإنسان نفسه صاحب حق.
ثم يأخذنا إلى مشهد النهاية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ﴾. هناك، تسقط كل الادعاءات، ويقف الجميع بلا شيء. ثم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ …﴾.
لا يُسأل: ماذا عملت؟ بل يُكشف: أين كنت من رحمة الله؟ ويبقى سؤال الاستثناء مفتوحًا: ﴿إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾
من هؤلاء؟ تعددت أقوال المفسرين، لكن المعنى واحد: هناك من بلغ مقام القرب بعنايةٍ إلهية، لا باستحقاقٍ ذاتي. وهنا يتحول السؤال: ليس من هم؟ بل كيف نكون منهم؟ وهنا تتجلى مدرسة الإمام جعفر الصادق(ع)، الذي لم يربِّ الناس على الشعور بالاستحقاق، بل على وعي العبودية. كان يعلّم أن العمل لا ينجّي بذاته، بل بقبوله، وأن كثرة العمل لا تعوّض خطأ الاتجاه. فالميزان ليس: كم عملت؟ بل: لمن عملت؟ ومع من سرت؟
لذلك، حين يُطرح السؤال بوضوح: هل لك على الله حق؟ يكون الجواب: لا أحد يملك على الله حقًا يُلزمه به.
لكن الله بفضله فتح بابًا أعظم من كل الحقوق: باب الرحمة. وحين نقول: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، فنحن لا نطالب بحق لنا، بل نتوسل بما جعله الله سببًا للقبول، تفضلًا منه ورحمةً بنا. فنحن لا نقف أصحاب حقوق، بل فقراء على باب كريم. وفي المدينة، تتضح الحقيقة بلا تعقيد: الطريق ليس أن تعمل لتستحق، بل أن ترتبط لتُرحم. التمسك بالنبي وآله ليس إضافة، بل هو الاتجاه نفسه. ومن فقد الاتجاه، كثرت خطواته ولم يصل.
وهنا تنكشف الخلاصة:
ليست القضية ماذا قدّمت، بل من كنت وأنت تقدّم. العمل لا يُنقذ بذاته، والكثرة لا تضمن القبول، والعدل لا يكفي دون فضل الله. فمن ظن أنه وصل بعمله، فقد حُجب، ومن رأى نفسه فقيرًا، فقد اقترب.
ليس لك على الله حق، لكن لك باب مفتوح بالفضل. إن دخلته عبدًا، بلغت، وإن وقفت عليه مستحقًا، حُجبت.
وفي ختام الزيارة، أدركت أن المدينة لا تغيّر المكان فقط، بل تعيد ترتيب الداخل. جئتُ بأسئلة، وعدتُ بإجابة واحدة:
أن القلب حين يقترب من النور، لا يعود كما كان.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه