مصطلح الأسبوع
الهِرْمِنيوطيقا
تُعَدّ الهِرْمِنيوطيقا (Hermeneutics) من المصطلحات المهمّة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، ولا سيّما في علم الكلام الجديد، وهي تعني علم أو نظرية أو منهجية فهم النصوص وتفسيرها. وقد اشتُقّ هذا المصطلح من الجذر اليوناني Hermeneuein بمعنى «التفسير» و«إيصال المعنى». وكانت الهِرْمِنيوطيقا في بداياتها تُستخدم أساسًا بوصفها علمًا لفهم النصوص المقدّسة وتفسيرها، ولا سيّما الكتاب المقدّس، غير أنّ نطاقها توسّع تدريجيًّا، فأصبحت تبحث في مسألة الفهم الإنساني بصورة عامّة، وعلاقة الإنسان بالنصّ والتاريخ والثقافة، بل وبالعالم الإنساني برمّته.
وقد مرّت الهِرْمِنيوطيقا في مسارها التاريخي بثلاث مراحل أساسية. الهِرْمِنيوطيقا الكلاسيكية كانت تركّز على اكتشاف المعنى الأصلي للنصّ وقصد المؤلّف، وتعدّ مهمّة المفسّر الوصول إلى المعنى الحقيقي للكلام. ثم ظهرت المرحلة الثانية، وهي الهِرْمِنيوطيقا المنهجية مع مفكّرين أمثال شلايرماخر ودلتاي، حيث سعت إلى وضع قواعد ومناهج لفهم النصوص فهمًا صحيحًا. أمّا المرحلة الثالثة فهي الهِرْمِنيوطيقا الفلسفية التي تبلورت مع هايدغر وغادامير، فلم تعد تهتمّ بمنهج التفسير فقط، بل جعلت «عملية الفهم» نفسها موضوعًا للبحث الفلسفي.
وترى الهِرْمِنيوطيقا الفلسفية أنّ فهم الإنسان يتأثّر دائمًا بمسبّقاته الفكرية، ومعارفه السابقة، وظروفه التاريخية والثقافية؛ ولذلك لا يستطيع المفسّر أن ينظر إلى النصّ بمعزل تامّ عن موقعه التاريخي وذهنه الخاص. كما تؤكّد وجود نوع من التفاعل بين المفسّر والنصّ، بحيث يلتقي الأفق الدلالي للنصّ مع الأفق الفكري للمفسّر. وقد ذهب بعض أنصار هذا الاتجاه إلى التأكيد على إمكان تعدّد القراءات والتفسيرات لنصّ واحد.
وقد اكتسبت الهِرْمِنيوطيقا أهميّة خاصّة في مجال علم الكلام الجديد؛ لأنّها أثارت أسئلة أساسية حول كيفية فهم النصوص الدينية، كالقرآن الكريم والحديث الشريف، ومن أبرزها: هل يمتلك النصّ الديني معنى ثابتًا يمكن الوصول إليه؟ وهل تؤثّر الظروف التاريخية والذهنية للمفسّر في فهمه للدين؟ وهل يمكن الحديث عن تفسيرات متعدّدة ومختلفة للنصّ الواحد؟
ويرى مؤيّدو الهِرْمِنيوطيقا أنّها أداة تساعد على فهم أعمق للنصوص الدينية والتعامل مع القضايا المستجدّة، بينما يرى منتقدوها أنّ بعض اتجاهاتها، ولا سيّما التأكيد المفرط على دور المفسّر، قد تؤدّي إلى النسبية في فهم الدين وإضعاف إمكانية الوصول إلى المعنى المعتبر للنصّ. ومن هنا، ما تزال الهِرْمِنيوطيقا تُعَدّ من أبرز الموضوعات المطروحة في فلسفة الدين وعلم الكلام المعاصر.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




