هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

حين أصبحت الإمامة تحت المراقبة

قبس من نور

حين أصبحت الإمامة تحت المراقبة

د.أحمد باقر الطویل

لم تبدأ مرحلة الإمام علي بن محمد الهادي(ع) باستشهاد والده الإمام الجواد(ع) فحسب، بل بدأت معها مرحلة جديدة في سياسة الدولة العباسية. فبعد تجارب طويلة مع أئمة أهل البيت(ع)، أدركت السلطة أن السجن، أو التقريب الشكلي، أو التضييق المحدود، لم ينجح في إنهاء حضور الإمامة في وجدان الأمة. ولهذا انتقلت إلى أسلوب آخر يقوم على الرقابة الدائمة، والعزل، ومراقبة كل صلةٍ يمكن أن تربط الإمام بالناس.
لكن السلطة كانت تنظر إلى الإمامة بوصفها قيادةً بشرية يمكن إضعافها إذا ضُيّقت حركتها، بينما كانت الإمامة في حقيقتها امتدادًا للرسالة الإلهية، تستمد قوتها من العلم والحق، لا من حرية الحركة أو النفوذ السياسي. ولهذا بدأت إمامة الإمام الهادي(ع) في واحدة من أكثر المراحل حساسية، لكنها أثبتت أن الحصار قد يحدّ من حركة الإمام، لكنه لا يستطيع أن يحاصر الهداية.
ولم يطل الأمر حتى استُدعي الإمام إلى سامراء، عاصمة الدولة العباسية آنذاك. ولم يكن ذلك تكريمًا، بل خطوةً لإبقائه تحت المراقبة المباشرة، بعيدًا عن المدينة المنورة التي عرف أهلها منزلته، وتربى فيها أصحابه.
ومع ذلك، لم يتغير موقع الإمام الحقيقي.
دخل سامراء، لكن الإمامة لم تدخل قصر الخليفة، بل بقيت مستقلةً عنه. فالناس ظلوا يرون فيه الحجة التي يرجعون إليها، ولم تستطع الرقابة أن تقطع تلك الصلة التي نشأت على أساس الإيمان والثقة.
وفي خضم هذا الواقع، لم يكن الإمام يواجه ضغط السلطة وحده، بل واجه أيضًا تحديًا فكريًا لا يقل خطورة. فقد ظهرت اتجاهات غلت في الأئمة، وأخرى فرّطت في حقهم، وأصبح من الضروري أن يُعاد رسم مفهوم الإمامة كما أراده رسول الله(ص).
ومن هنا جاءت الزيارة الجامعة الكبيرة، التي لم تكن مجرد نص للزيارة، بل بيانًا عقديًا متكاملًا، رسم فيه الإمام الهادي(ع) صورة الإمامة بعيدًا عن الإفراط والتفريط، فعرّف الأئمة بأنهم عباد الله المصطفون، وأمناء وحيه، وخزّان علمه، من غير غلو، ولا انتقاص. ولهذا بقيت الزيارة الجامعة الكبيرة حتى اليوم واحدةً من أهم النصوص التي تحفظ الفهم الصحيح للإمامة، وتُعد مرجعًا عقديًا لأتباع مدرسة أهل البيت(ع).
وهكذا لم يقتصر دور الإمام الهادي(ع) على الصبر أمام الحصار، بل حوّل تلك المرحلة إلى فرصة لترسيخ الأسس الفكرية التي تحفظ الرسالة، حتى لو اشتدت الضغوط السياسية. وقد لخّص القرآن الكريم هذه السنة الإلهية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، (يوسف: 21).
فالسلطة كانت ترى أن السيطرة على الإمام تعني السيطرة على الإمامة، لكن الأيام أثبتت أن الهداية التي يصنعها الله لا تُقاس بقيود السجون، ولا بأسوار القصور. لقد بقي الإمام الهادي(ع) حاضرًا في ضمير الأمة، وبقي علمه يوجّه العقول، وبقيت كلماته تبني العقيدة، بينما تغيّرت الدول، وتعاقب الحكام، ولم يبق من سلطانهم إلا صفحات التاريخ.
ويبقى الدرس الأهم من هذه المرحلة أن الرسالات الإلهية قد تُحاصَر، لكنها لا تُهزم، وأن الإمام الذي يحمل نور الهداية يبقى قريبًا من الناس، مهما حاولت السلطة أن تفرض بينه وبينهم الحواجز. لكن الإمام الهادي(ع) لم يكتفِ بحماية العقيدة، بل بدأ يُهيّئ الأمة لمرحلةٍ جديدة تمامًا. فكيف استطاع أن يحافظ على الصلة بأتباعه وهو يعيش تحت الرقابة؟ وكيف تحولت شبكة الوكلاء في عهده إلى المؤسسة التي مهّدت للأمة أخطر مرحلة في تاريخ الإمامة؟
هذا ما سيكون محور المقالة القادمة، بإذن الله.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه