قبس من نور
حين يتكلم الحرف
أحمد باقر الطويل
قد نقرأ القرآن حتى تألف أعيننا كلماته، فنظن أننا رأيناه. نحفظ الآية، نعرف معناها العام، وربما نستطيع أن نشرحها، ثم نمضي. لكن أخطر ما يفعله الاعتياد أنه يجعلنا نمر على الأشياء التي اعتدناها دون أن نراها من جديد. وفي القرآن، قد يكون الفرق بين أن تمر على الآية وأن تقف عندها... حرفًا واحدًا.
نقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، فنرى مصارف الزكاة ونواصل القراءة. لكن لو أبطأنا قليلًا، سنجد شيئًا يستحق السؤال.
قال الله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾... ثم قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. لماذا لم يقل: وللرقاب؟
قد يبدو السؤال صغيرًا، لكن بعض الأسئلة الصغيرة تفتح أبوابًا كبيرة. فاللام هنا تدل على الاختصاص والاستحقاق، أما "في" فتلفت إلى جهة يُصرف فيها المال. ولا يُبنى الحكم الفقهي على حرف منفرد، لكن الحرف يفتح السؤال، ثم يأتي التفسير والروايات ليكشفا لنا المعنى. فـ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ تشير إلى أن المال يُصرف في الجهة التي يتحقق بها تحرير الرقبة وفك القيد، ومن مصاديق ذلك ما ورد في شأن المكاتب ونحو ذلك. وفجأة يتغير السؤال. لم يعد: من يأخذ المال؟ بل: ماذا ينبغي أن يصنع المال؟
وهنا تصبح الآية أوسع من مجرد بيان مصرف من مصارف الزكاة. فالمال قد لا تكون قيمته في اليد التي يصل إليها، وإنما في الأثر الذي يتركه. قد يكون مالًا يُعطى لمحتاج، وقد يكون مالًا يقضي دينًا، وقد يكون مالًا يزيل قيدًا عن إنسان. المال واحد، لكن معناه يتغير حين تتغير الغاية. ثم تأتي العبارة التي تعيد ترتيب كل شيء: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. فالزكاة الواجبة ليست مجرد صدقة يختار الإنسان أن يعطيها متى شاء ولمن شاء، وإنما حق فرضه الله وحدد جهاته. أما الصدقة المستحبة، فهي باب أوسع من أبواب البر، تمتد وجوهها إلى المحتاجين وإغاثة المكروبين وسائر وجوه الخير.
قد يتصدق الإنسان لأن قلبه رقّ، لكنه حين يزكي يؤدي حقًا أمره الله به. وفي الأولى يظهر كرمه، وفي الثانية يظهر مع كرمه امتثاله. ولعل هنا يكمن شيء من سر القرآن: أنه لا يريد منا أن نعرف المعنى فقط، بل أن نتعلم كيف نراه. أن نتوقف عند اختلاف صغير في التعبير، ثم نسأل، ونبحث في اللغة والتفسير وروايات أهل البيت عليهم السلام، حتى يتحول السؤال إلى فهم، والفهم إلى وعي.
بدأنا من حرف، وانتهينا إلى الإنسان. لكن ربما لم يكن الحرف هو الذي تغيّر. ربما الذي كان يحتاج إلى التغيير هو نحن. فحين نغلق المصحف، ليس السؤال الأهم: كم آية قرأت؟ بل: ما الشيء الذي كنت أمرّ عليه دائمًا، ثم توقفت عنده هذه المرة؟ فقد يفتح حرف صغير في كتاب الله بابًا كبيرًا في فهم القرآن... وربما في فهم أنفسنا. فليس الحرف هو الذي كان يحتاج إلى أن يتكلم، بل نحن الذين كنا نحتاج أن نصمت قليلًا حتى نسمعه.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




