کلمة رئیس التحریر
التبيينُ في زمنِ الحصار
بمناسبة ذکری استشهاد الإمام الحسن العسکري(ع)
لم يكن الحصار الذي فرضته السلطة العباسية على الإمام الحسن العسكري(ع) حصاراً لشخصه فحسب، بل كان محاولةً لعزل مدرسة أهل البيت(ع) عن الأمة، وتجفيف منابع العلم، وإضعاف الصلة بين القيادة الإلهية وجمهور المؤمنين. غير أن الإمام قدّم نموذجاً فريداً في تحويل القيود إلى فرصة، والرقابة إلى مساحة للعمل الهادئ، فكان التبيين في سيرته جهاداً واعياً لحفظ الدين وصناعة الوعي.
لقد أدرك الإمام(ع) أن أخطر المعارك ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل التي تستهدف العقول والقلوب. ففي زمنٍ كثرت فيه الشبهات، وتعددت التيارات المنحرفة، واستغلت السلطة أدواتها لتشويه الحقائق، نهض الإمام بمسؤولية البيان؛ يجيب عن الأسئلة، ويفنّد الشبهات، ويؤصل العقائد، ويربّي جيلاً من العلماء والوكلاء القادرين على حمل رسالة أهل البيت(ع) إلى مختلف الأمصار. وهكذا لم يعد التبيين عملاً دفاعياً فحسب، بل مشروعاً حضارياً لبناء الإنسان المؤمن الواعي.
ولعل أبرز مظاهر هذا المشروع أنه لم يقتصر على معالجة تحديات عصره، بل تجاوزها إلى الإعداد للمستقبل. فقد كان الإمام الحسن العسكري(ع) يمهّد الأمة لاستقبال مرحلة الغيبة الكبرى، ويؤسس لعلاقةٍ راسخة بين المؤمنين والمرجعية العلمية، ويعزز الثقة بشبكة الوكلاء، حتى تبقى الرسالة حيّة، ويستمر حضور الإمامة في وعي الأمة وإن غاب الإمام عن الأنظار.
واليوم، لا تقل معركة الوعي خطورةً عما كانت عليه في القرن الثالث الهجري؛ فقد تغيّرت الوسائل، لكن التحديات ما زالت واحدة: تحريف الحقائق، وصناعة الشبهات، وإرباك الوعي العام. ومن هنا، فإن استلهام تجربة الإمام الحسن العسكري(ع) لا يعني استذكار صفحاتٍ من التاريخ، بل استحضار منهجٍ متجدد يجعل من العلم مسؤولية، ومن الكلمة أمانة، ومن الحوار الرصين سبيلاً إلى حماية العقيدة وترسيخ الهوية.
إن مدرسة الإمام العسكري(ع) تؤكد أن التبيين ليس ردَّ فعلٍ مؤقتاً، بل رسالةٌ دائمة، وأن الأمة التي تمتلك الوعي، وتُحسن البيان، وتثق بعلمائها، هي الأقدر على مواجهة التحريف، وصيانة هويتها، وصناعة مستقبلها.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه
تیتر خبرها
-
التبيينُ في زمنِ الحصار
-
رابطة علماء اليمن تدين الهجمات الإسرائيلية على فلسطين ولبنان
-
آية اللّه الأعرافيّ: قائدا الثورة الإسلاميّة قدّما تفسيرًا حيًّا وباعثًا للحياة والحراك للإسلام.. مشروع "المنظومة الشاملة للفكر الإسلاميّ" خطوةٌ نحو "الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة"
-
آية الله قاسم: السياسة التي تتّخذ في حكمها منهجاً غير الدين لا يهمّها إسلام ولا نصرانيّة أو يهوديّة وهي تخاف من أيّ دين يحارب الظلم ويعادي الظالمين
تیتر خبرها
-
التبيينُ في زمنِ الحصار
-
رابطة علماء اليمن تدين الهجمات الإسرائيلية على فلسطين ولبنان
-
آية اللّه الأعرافيّ: قائدا الثورة الإسلاميّة قدّما تفسيرًا حيًّا وباعثًا للحياة والحراك للإسلام.. مشروع "المنظومة الشاملة للفكر الإسلاميّ" خطوةٌ نحو "الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة"
-
آية الله قاسم: السياسة التي تتّخذ في حكمها منهجاً غير الدين لا يهمّها إسلام ولا نصرانيّة أو يهوديّة وهي تخاف من أيّ دين يحارب الظلم ويعادي الظالمين




