هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

حين يصنع اليقين شبابًا لا تهزمهم الدنيا

قبس من نور

حين يصنع اليقين شبابًا لا تهزمهم الدنيا

أحمد باقر الطويل

في كل أمةٍ يبرز الشباب بوصفهم طاقة التغيير، وحملة المستقبل، وصُنّاع التحولات الكبرى. فالأمم لا تُبنى بكثرة الموارد وحدها، بل تُبنى حين تمتلك جيلاً يعرف ما يريد، ويؤمن بما يحمل، ويملك الشجاعة ليدفع ثمن مبادئه.
ولهذا لم تكن كربلاء مدرسةً للشهادة فحسب، بل كانت مدرسةً للشباب المؤمن الذي تحوّلت العقيدة في قلبه إلى موقف، وتحول اليقين عنده إلى قوة لا تهزها المخاوف ولا تغريها المغريات.
وحين نقف عند القاسم بن الحسن وعلي الأكبر(ع)، فإننا لا نقف أمام شابين خرجا إلى ساحة القتال فقط، بل أمام نموذجين للشاب الذي عرف الحق فالتزم به، وآمن بإمامه فلم يتردد في نصرته، وأدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول عمره، بل بصدق موقفه.
الخوف شعورٌ فطري أودعه الله في الإنسان، لكن الفرق بين الناس ليس في وجود الخوف أو غيابه، بل في الشيء الذي يغلب على قلوبهم حين تتزاحم المشاعر. فهناك من يغلبه الخوف فيتراجع عن الحق، وهناك من يغلبه اليقين فيمضي إليه وإن كان الطريق محفوفًا بالمخاطر.
وفي كربلاء تجلّى هذا المعنى بأبهى صوره. فالقاسم بن الحسن(ع)، وهو فتىً في مقتبل العمر، لم يكن يرى الموت بذاته، بل كان يرى ما وراءه من رضا الله ونصرة الحق، ولذلك وصف الموت في سبيل الحق بأنه "أحلى من العسل". وكذلك علي الأكبر(ع)، حين سأل أباه الإمام الحسين(ع): "ألسنا على الحق؟" فلما أجابه بالإيجاب قال: "إذن لا نبالي، أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا". لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارات حماسية، بل كانت تعبيرًا عن يقينٍ راسخ جعل الحق أكبر من الخوف، والمبدأ أعظم من المصلحة.
ومن هنا تكمن عظمة شباب كربلاء؛ فهم لم يكونوا أصحاب قوة جسدية فقط، بل أصحاب بصيرة ويقين. وقد آمنوا بإمامهم وعرفوا عدالة قضيتهم، فلم تهزمهم رهبة الموت، لأن القلوب الممتلئة باليقين لا تُدار بالحسابات الضيقة التي تحكم كثيرًا من الناس.
والقرآن الكريم يلفت الأنظار إلى دور الشباب في صناعة التحولات الكبرى، كما في قصة أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، وكما يحدّثنا عن إبراهيم(ع) في مرحلة شبابه وهو يحمل مشروع الإصلاح والتغيير. فالشباب في منطق القرآن ليسوا مرحلة انتظار للمستقبل، بل قوة الحاضر وصنّاع الغد.
ولهذا فإن رسالة كربلاء للشباب اليوم لا تقتصر على الاستعداد للتضحية عند الشدائد، بل تشمل بناء المجتمع، والتميز في العلم، والنجاح في العمل، وخدمة الناس، والثبات على القيم. فالشاب الذي يحفظ أمانته، ويجتهد في تخصصه، ويخدم وطنه ومجتمعه، هو أيضًا يمارس نوعًا من نصرة الحق التي أرادتها كربلاء.
غير أن الثبات على هذا الطريق يحتاج إلى جهادٍ من نوع آخر. فأخطر ما يواجه الشباب اليوم ليس السيف، بل الشبهات والشهوات وضغوط الواقع. ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. فالثبات لا يولد في لحظة، بل يُبنى بالصبر والتربية ومجاهدة النفس.
وقد روي عن الإمام الصادق(ع): "كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا"، وهي رسالة تختصر مسؤولية الشباب المؤمن؛ أن يكون صورةً مشرقةً لدينه وأخلاقه في سلوكه اليومي، وأن يحفظ مبادئه حين تصبح مخالفتها أسهل من الالتزام بها.
إن كربلاء لم تكن تبحث عن شبابٍ يموتون فحسب، بل عن شبابٍ يعرفون لماذا يعيشون، ولأي قضية يبذلون أعمارهم. ولهذا يبقى السؤال الذي تطرحه على شباب كل عصر سؤالًا واحدًا لا يتغير: إذا عرفت الحق، فهل تملك شجاعة أن تكون معه؟
فالأمم لا يصنعها شبابٌ يعيشون لأنفسهم فقط، بل يصنعها شبابٌ يحملون رسالة، ويؤمنون بقضية، ويثبتون عليها مهما تغيرت الظروف. وهكذا يبقى القاسم وعلي الأكبر(ع) شاهدين على حقيقة خالدة: أن قيمة الإنسان ليست في عدد السنين التي يعيشها، بل في الموقف الذي يختاره حين يُمتحن.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه