ملاحظة الرؤية الفينومينولوجية (الظاهراتية) لهنري كوربين لواقعة كربلاء؛
عاشوراء، التجلّي الميتافيزيقي للملحمة الإلهية
من وجهة نظر كوربين، ليست حادثة كربلاء حدثاً منتهياً في التقويم التاريخي، بل هي واقعة جارية وسرمدية. ويعتقد أن شهادة الإمام الحسين(ع) لا تنحصر في "زمان آفاقي" (زمان عادي وخطي)، بل تحدث في "زمان أنفسي" (زمان باطني وروحي). ولهذا السبب، يمكن للإنسان الشيعي في كل عصر وزمان أن يرى نفسه في جبهة كربلاء وفي محضر الإمام.
قسم الدين والفكر في وكالة أنباء الكتاب الإيرانية (إيبنا) - السيدة معصومة محمدي؛ يعتبر هنري كوربين في كتابه "الإسلام الإيراني" أن الولاية ومعرفة الإمام هما القلب النابض والنواة المركزية للتشيع. ومن وجهة نظره، لا يمكن فهم حقيقة التشيع على الإطلاق دون إدراك مفهوم الإمام والولاية. إن منهجه في تبيين هذا الموضوع هو المنهج الفينومينولوجي؛ أي أنه لا يحاول النظر إلى الإمام من الخارج وبعدسة كلامية أو تاريخية غربية، بل يسعى لوصف وفهم ظاهرة الإمام كما تتجلى في الوجدان والتجربة الروحية للشيعي نفسه.
المحاور الرئيسية للرؤية الفينومينولوجية لكوربين حول الولاية ومعرفة الإمام هي كالتالي:
1. الإمام بوصفه "مَظهراً ومرآةً للحق"
يوضح كوربين أنه في معرفة الإمام الشيعية، تفوق ذات الله الإدراك، فهي غيب الغيوب ومنالٌ لا يُدرك. ولكي يتمكن الإنسان من التواصل مع الحق، فهو بحاجة إلى "مَظهر" (محل التجلّي). الإمام هو ذلك المظهر الإلهي أو المرآة الطاهرة التي تعكس صفات الله وأنوارَه.
من وجهة نظر كوربين، الأئمة هم "وجه الله"؛ أي ذلك الجانب من الحقيقة الإلهية المتجه نحو الخلق. يعرف البشر الله في مرآة الإمام، وبدون الإمام، يقعون في حيرة معرفية أو في التنزيه المطلق (إله مجرد وبعيد).
2. الولاية؛ باطن النبوة والاتصال الدائم بين الأرض والسماء
يضع كوربين تمييزاً بنيوياً دقيقاً بين النبوة والولاية:
النبوة (الظاهر): رسالة النبي لإحضار الشريعة والقوانين الإلهية. برحيل نبي الإسلام(ص)، تنتهي دورة النبوة التشريعية إلى الأبد.
الولاية (الباطن): الولاية هي الجانب الباطني والتأويلي والروحي للدين. تتمثل مهمة الولاية في هداية البشر من ظاهر الشريعة إلى باطن الحقيقة.
يعتقد كوربين أنه على الرغم من انتهاء النبوة، إلا أن الولاية لا تنتهي أبداً. الإمام هو حامل نور الولاية هذا، ولهذا السبب، لا تخلو الأرض أبداً من حجة (إمام)؛ لأنه إذا انقطع الاتصال الباطني بين السماء والأرض (الولاية)، سينهار العالم.
3. الإمام بوصفه "الإنسان الكامل" وحقيقة النور المحمدي
في رؤية كوربين، المتأثرة بعرفان ابن عربي والحكمة الصدرائية، ترتبط معرفة الإمام بالكوزمولوجيا (علم الكونيات). لقد وُجد الأئمة قبل خلق العالم المادي على شكل أنوار روحية (الحقيقة المحمدية أو نور الولاية). الإمام هو "الإنسان الكامل" وواسطة الفيض الإلهي إلى عالم الوجود. يؤكد كوربين أن الإمام الشيعي ليس مجرد زعيم سياسي مُغتصب حقه أو فقيه متفوق فحسب، بل هو حاكم تكويني وكوني يعتمد قوام العالم الروحي على وجوده.
4. فينومينولوجيا "الإمام الغائب" (الإمام المهدي(عج))
إن رائعة تحليل كوربين في معرفة الإمام تكمن في تبيين مفهوم "الغيبة". فهو، من منظور فينومينولوجي، لا يعتبر الغيبة حادثة زمانية أو مكانية بسيطة، بل يعتبرها "أمراً إبستمولوجياً (معرفياً)":
الغيبة لا تعني أن الإمام قد اختبأ في مكان ما، بل تعني أن أعين البشر قد حُجبت وفقدت القدرة على رؤيته.
من وجهة نظر كوربين، الإمام الغائب حاضر في "عالم المثال" أو ما يُعرف بـ "جغرافيا الملكوت" (اللامكان/هورقليا). إن حياة الإمام وغيبته تضفيان على الفكر الشيعي ديناميكية منقطعة النظير؛ لأن كل مؤمن شيعي في قلعته الوجودية يتهيأ للقاء الإمام والالتحاق به. هذا الأمر ينقذ الدين من التحول إلى هيكل ميت ومؤسساتي جامد.
5. "التأويل"؛ الوظيفة الأساسية للولاية
يقول كوربين إن الإمام هو مفسر ومعلم "التأويل". التأويل يعني "إرجاع الشيء إلى أصله وبدايته"؛ أي عبور النص (القرآن) من القشرة المادية والظاهرية إلى اللب والمعنى الباطني. بدون ولاية الإمام، يسقط الدين في الظاهرية والقشرية (سواء في قالب الأصولية أو في قالب النزعة الفقهية/القانونية البحتة). الإمام بنور ولايته، ينفخ الروح الحية للنص في أرواح المؤمنين.
من وجهة نظر هنري كوربين، تُعد معرفة الإمام الشيعية استجابة لأكبر حاجة بشرية: الحاجة إلى "هادٍ إلهي دائم" لا يترك الإنسان ضائعاً في صحراء التاريخ. الولاية هي التدفق المستمر للحياة الروحية الذي يُضخ عبر مسار الأئمة إلى قلب التاريخ، ويحافظ على طراوة الحياة الباطنية للإنسان.
يقدم هنري كوربين في رائعته ذات الأجزاء الأربعة "الإسلام الإيراني" رؤية متميزة، فينومينولوجية وباطنية تماماً لواقعة كربلاء وشهادة الإمام الحسين(ع).
وعلى النقيض من المؤرخين الغربيين الذين ينظرون عادة إلى كربلاء كحدث سياسي أو تاريخي بحت في القرن الهجري الأول، يحلل كوربين هذه الواقعة في أفق التاريخ القدسي والجغرافيا الملكوتية للتشيع.
المحاور الرئيسية لرؤية كوربين حول عاشوراء وكربلاء في هذا الكتاب هي على النحو التالي:
1. كربلاء بوصفها "واقعة عابرة للزمان"
من وجهة نظر كوربين، ليست حادثة كربلاء حدثاً منتهياً في التقويم التاريخي، بل هي واقعة جارية وسرمدية. ويعتقد أن شهادة الإمام الحسين(ع) لا تنحصر في "زمان آفاقي" (زمان عادي وخطي)، بل تحدث في "زمان أنفسي" (زمان باطني وروحي). ولهذا السبب، يمكن للإنسان الشيعي في كل عصر وزمان أن يرى نفسه في جبهة كربلاء وفي محضر الإمام. يرى كوربين أن هذه الظاهرة هي الرابط بين الماضي والحاضر والمستقبل في الحياة الروحية للتشيع.
2. الشهادة؛ مظهر المظلومية وغيبة الحقيقة
في تحليله، يعتبر كوربين شهادة الإمام الحسين(ع) ذروة تجلّي مظلومية الأنوار الإلهية على وجه الأرض. ومن وجهة نظره، تُظهر فاجعة كربلاء التقابل الدائم بين "الظاهر" (السلطة الدنيوية، والحكومة السياسية للخلفاء) و"الباطن" (الحقيقة الروحية والولاية الإلهية). إن شهادة الإمام الحسين(ع) هي في الواقع مظهر لتهميش و"غيبة" الحقيقة الباطنية للدين عن المشهد الظاهري للمجتمع؛ الحقيقة التي تلجأ، بشهادة المظلومين المعصومين، إلى باطن العالم وقلوب المؤمنين.
3. الارتباط الباطني بين عاشوراء والمهدوية (بداية الغيبة والانتظار)
من أجمل تحليلات كوربين في "الإسلام الإيراني"، ربط معنى عاشوراء بمسألة المهدوية والظهور. فهو يكتب أن شهادة الإمام الحسين(ع) وشهداء كربلاء، هزّت وجدان التشيع وخلقت "حسرة واشتياقاً باطنياً" لتحقيق العدالة وإرجاع الحق لأصحابه. من وجهة نظر كوربين: عاشوراء هي بداية الدراما الروحية للتشيع التي تجسّد مظلومية الإمام.
المهدوية هي الغاية والمكمل لهذه الدراما، حيث يظهر قائم آل محمد(عج) للمطالبة بدم الحقيقة التي قُدّمت في مذبح كربلاء، ولإرساء الحاكمية الباطنية. ولذلك، فإن انتظار الظهور في الفكر الشيعي، له ارتباط وثيق لا ينفصم بذكرى وذاكرة عاشوراء.
4. الجغرافيا الروحية لكربلاء
يولي كوربين اهتماماً خاصاً بمفهوم "أرض الملكوت" أو الجغرافيا الخيالية لمرتبة عالم المثال. ويوضح أن تراب كربلاء بالنسبة للشيعي ليس مجرد مكان جغرافي في العراق، بل هو قطعة من الجغرافيا الروحية والسماوية. فزائر كربلاء بسفره إلى هذا المزار، يعبر حدود الزمان والمكان الماديين، ويدخل في ساحة الشهود الباطني.
خلاصة قول كوربين
يعتبر كوربين عاشوراء التجلّي الميتافيزيقي لملحمة إلهية؛ دراما روحية حوّل فيها الإمام وأصحابه، بوعي كامل بمصيرهم، الموت المادي إلى أبدية روحية لتبقى شعلة الهداية الباطنية للبشر مضاءة إلى الأبد.
تعریب: الآفاق
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




