حوار
مؤسسة «محمديون» في البصرة… مشروع ثقافي لصناعة الوعي وحفظ الذاكرة الفكرية في حوار رئیس تحریر «الآفاق» مع مدیر المؤسسة سماحة الشیخ جعفر الزنکي
تُعدّ البصرة، بما تمتلكه من رصيد تاريخي وثقافي وحضور علمي وأدبي متميز، إحدى المدن العراقية التي احتضنت عبر القرون حركة فكرية ومعرفية واسعة. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، وما تفرضه من تحديات معرفية وثقافية، برزت الحاجة إلى مؤسسات قادرة على بناء الوعي، وتعزيز حضور الكتاب، وتقديم المحتوى الفكري بأساليب تجمع بين الأصالة والمنهجية الحديثة.
من هذا المنطلق تأسست مؤسسة «محمديون» في البصرة، بوصفها مشروعًا ثقافيًا يركز على إنتاج المعرفة، ونشر الكتب والدراسات، وإعداد البرامج التعليمية والإعلامية، مع اهتمام خاص بقضايا الفكر الإسلامي، وبناء الوعي لدى الأجيال الجديدة. وقد عملت المؤسسة منذ انطلاقتها على إنشاء منظومة متعددة المسارات تشمل النشر الثقافي، والإنتاج الإعلامي، والتعليم الفكري والتربوي، مستفيدة من علاقاتها العلمية مع عدد من المؤسسات والحوزات والمراكز الثقافية داخل العراق وخارجه.
ولا تقتصر تجربة «محمديون» على إصدار الكتب فحسب، بل تسعى إلى بناء بيئة ثقافية متكاملة تجمع بين التوثيق والتحقيق، وإحياء التراث الفكري، وإنتاج المحتوى الرقمي، وتنظيم الفعاليات والمعارض التي تعزز حضور الكتاب في المجتمع. كما تمثل تجربة المؤسسة نموذجًا للحضور الثقافي للمؤسسات الشيعية في مختلف البلدان، ودورها في مدّ جسور التواصل بين الحوزات العلمية والمراكز البحثية والقراء.
وفي إطار حرص صحيفة «الآفاق» على متابعة التجارب العلمية والثقافية في الحوزات والمؤسسات الشيعية حول العالم، أجرينا هذا الحوار مع إدارة مؤسسة «محمديون» في مدينة البصرة، للحديث عن ظروف التأسيس، والرؤية الفكرية للمؤسسة، ومشاريعها في مجال النشر والتوثيق، وعلاقاتها مع المؤسسات العلمية، وخططها المستقبلية في خدمة المعرفة والثقافة الإسلامية.
س1: لكل صرح مبارك نقطة انطلاق؛ كيف ولدت فكرة تأسيس مؤسسة «محمديون» في البصرة؟ وما الظروف التي دفعت إلى تأسيسها؟
ج: جاءت فكرة تأسيس المؤسسة استجابةً للحاجة الملحّة إلى مشروع ثقافي يُحصّن الشباب المؤمن في مواجهة الحرب الناعمة والتضليل الإعلامي، وانسجامًا مع «جهاد التبيين». ومن هذا المنطلق أُعدّت مناهج تربوية بالتعاون مع مؤسسات في الجمهورية الإسلامية ولبنان واليمن بما ينسجم مع الواقع العراقي. واليوم تضم المؤسسة خمسة أقسام رئيسة، لكل منها برامجه الخاصة، بينما يجمعها هدف واحد هو التحصين الفكري والثقافي.
س2: ما الرؤية الفكرية التي تتبناها المؤسسة؟ وكيف تسهم إصداراتها في بناء وعي الشباب؟
ج: تتمثل رؤيتنا في إعداد جيل مؤمن بمشروع الإسلام الأصيل الذي طرحه الإمام الخميني، في مواجهة الإسلام الأمريكي، انطلاقًا من رسالة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما إصدارات المؤسسة، فهي تركز على المناهج التعليمية والبرامج التربوية، وتشمل مؤلفات مستمدة من أفكار الشيخ مصباح اليزدي، والشهيد مطهري، والسيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي، إلى جانب سلسلة «مآب المؤمن» المخصصة لمختلف المراحل العمرية.
س3: بعد نيل سماحة الإمام السيد علي الخامنئي وسام الشهادة؛ هل طرأت تحولات على مشاريعكم الفكرية، ولا سيما مشروع موسوعته؟
ج: أعددنا مشروعًا متكاملًا لموسوعة فكر الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، تتألف من خمسين مجلدًا، وتضم رؤيته القرآنية والحديثية والثقافية، وصولًا إلى مبانيه الفقهية. لكننا آثرنا التريث في تنفيذه بعد أن تبنت جهة أخرى هذا المشروع.
س4: كيف تصفون علاقتكم بالحوزات العلمية؟ وما أبرز ثمار هذا التعاون؟
ج: تربط المؤسسة بالحوزات العلمية في البصرة وقم المقدسة مذكرات تفاهم تشمل التعاون في النشر والترجمة وتبادل الطلبة، وقد أسهمت هذه الشراكات في تعزيز التواصل العلمي وتبادل الخبرات. كما تشارك المؤسسات والحوزات المتعاونة سنويًا في معرض الكتاب الدولي الذي تنظمه المؤسسة، ومن بينها جامعة أهل البيت، وجامعة باقر العلوم، وعدد من الحوزات والعتبات العلمية في العراق وإيران.
س5: كيف كان تفاعل العلماء مع إصداراتكم؟ وهل تخضع الكتب لمراجعة علمية قبل نشرها؟
ج: تخضع جميع الإصدارات لإشراف علمي متخصص، يتقدمه آية الله الشيخ محمود العيداني، إضافةً إلى إشراف عدد من علماء قم على الكتب المترجمة بحسب اختصاصها. وقد لاقت هذه الإصدارات تفاعلًا مشجعًا من العلماء؛ فمن أبرز ذلك توجيه الشهيد السيد حسن نصر الله بتوزيع خمسمائة نسخة من كل مجلد من كتاب «المسيرة القرآنية» على المراكز الثقافية، كما أثنى آية الله الشيخ جوادي الآملي على ترجمة كتاب «أساس التوحيد»، وعدّها نموذجًا للعناية بالتراث العلمي.
س6: ما المعايير التي تعتمدونها في ترجمة ونشر آثار قادة المقاومة لضمان دقة نقلها؟
ج: نعتمد معايير علمية ولغوية دقيقة؛ فمن الناحية العلمية نلتزم بتوثيق المعلومات، والتحقق من الأسماء والأحداث، والاعتماد على المصادر الموثوقة، مع مراعاة الموضوعية والتسلسل الزمني. أما لغويًا، فنحرص على سلامة الأسلوب، ودقة الألفاظ، وترابط النص، والابتعاد عن العبارات الانفعالية غير المستندة إلى الأدلة.
س7: كيف تسهم إصداراتكم في إبراز العلاقة بين المرجعية الدينية وخط المقاومة؟
ج: تعتمد إصداراتنا على جمع النصوص والوثائق والخطابات المرتبطة بموضوعها، وتقديمها ضمن سياقها التاريخي والفكري، بما يساعد القارئ على فهم العلاقة بين توجيهات المرجعية ومواقف قادة المقاومة. كما نحرص على عرض المادة بمنهجية موثقة وتحليل موضوعي يبتعد عن الاجتزاء والانتقاء.
س8: ما أبرز المشاريع التي تعمل عليها مؤسسة «محمديون» اليوم؟
ج: تواصل المؤسسة تنفيذ مشاريع متنوعة تشمل إصدار الكتب والدراسات التوثيقية، وتحقيق الوثائق التاريخية، وإعداد السير العلمية، وإنتاج المحتوى الإعلامي والثقافي. كما تولي اهتمامًا خاصًا بالبرامج التعليمية والتربوية للأطفال والشباب، التي استفاد منها حتى اليوم أكثر من 1120 مشاركًا. وفي المرحلة الحالية نركز على توثيق التجارب والشخصيات، وإحياء التراث الفكري، وتطوير المحتوى الرقمي والإنتاج الإعلامي، مع الالتزام بالدقة العلمية والمنهجية في جميع الإصدارات.
س9: كيف تقيّمون تفاعل القارئ البصري مع إصداراتكم؟ وأيها كان الأبرز أثرًا؟
ج: يتميز القارئ البصري بحسه النقدي واهتمامه بالمادة العلمية الرصينة، وقد لمسنا إقبالًا متزايدًا على الإصدارات التي تجمع بين التوثيق والتحليل والإخراج الفني الجيد. أما تحديد الإصدار الأكثر تأثيرًا فليس بالأمر السهل، إذ حققت أعمال مختلفة حضورًا لافتًا بحسب موضوعاتها وجمهورها. ونعتقد أن النجاح الحقيقي يتمثل في تحول الكتاب إلى مرجع علمي يثير النقاش ويُستفاد منه في الدراسات والبحوث.
س10: كيف توصلون إصداراتكم إلى القراء داخل العراق وخارجه؟
ج: نعتمد وسائل متعددة للوصول إلى القراء، في مقدمتها المعرض الدائم للمؤسسة، وتنظيم معرض شناشيل البصرة الدولي للكتاب، إلى جانب المشاركة في معارض الكتب داخل العراق وخارجه، ومنها معرض طهران الدولي للكتاب. كما عززنا حضورنا الرقمي عبر الموقع الرسمي ومنصات التواصل الاجتماعي، وأنشأنا غرفة إعلامية لإنتاج برامج ثقافية، أبرزها برنامج «قراءة في كتاب»، الذي يسهم في التعريف بالإصدارات وتشجيع القراءة.
س11: كيف تواكب مؤسسة «محمديون» التحول الرقمي؟ وهل تتجهون إلى نشر إصداراتكم إلكترونيًا؟
ج: ننظر إلى التحول الرقمي بوصفه فرصة لتوسيع دائرة الوصول إلى المعرفة، مع الحفاظ على مكانة الكتاب الورقي. ولذلك عززنا حضورنا عبر الموقع الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، ونعمل على تقديم محتوى ثقافي وإعلامي متجدد، إلى جانب أرشفة جزء من إنتاجنا الفكري بصيغة رقمية. كما نخطط للتوسع في نشر الإصدارات الإلكترونية، وندرس إطلاق منصة أو تطبيق رقمي يضم المكتبة الرقمية والمواد الثقافية والإعلامية والبرامج التعليمية، بما يواكب متطلبات العصر ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق الملكية الفكرية.
س12: هل لديكم شراكات مع مؤسسات ثقافية خارج العراق؟ وما أبرز مشاريعكم المستقبلية؟
ج: تحرص المؤسسة على بناء شراكات مع مؤسسات علمية وثقافية داخل العراق وخارجه، من بينها معهد المعارف الحكمية ودار الولاء في لبنان، وجامعة آل البيت، وجامعة باقر العلوم، ودار الإسراء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد أسهم هذا التعاون في تبادل الإصدارات والخبرات والمشاركة في الفعاليات والمعارض الدولية. أما على صعيد المشاريع المستقبلية، فنولي اهتمامًا خاصًا بتوثيق سير شهداء البصرة وغيرها من الشخصيات المؤثرة، من خلال أعمال علمية تستند إلى الوثائق والشهادات والمصادر المعتبرة، بما يحفظ هذا الإرث ويثري المكتبة العراقية بمراجع رصينة.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




