هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

التعددية الدينية.. أصالة أم اعتبار؟

حوار (القسم الثاني)

التعددية الدينية.. أصالة أم اعتبار؟

حوار مع الدكتور كمال لزيق أجرته معه الدكتورة بتول الخنسا

بقلم الدكتورة بتول الخنسا

في الحلقة الأولى من هذا الحوار، استعرض الدكتور كمال لزيق الخلفيات التاريخية والفكرية لنشأة نظرية التعددية الدينية، متوقفًا عند الظروف التي أفرزتها في الغرب، وعلاقتها بالصراع بين الكنيسة والعلوم الحديثة، ثم تطورها في الفكر اللاهوتي وصولًا إلى أطروحات التعددية المعاصرة. كما ناقش الفوارق الجوهرية بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية لمفهوم الحقيقة والوحي، مؤكدًا أنّ الإسلام يميّز بين الإقرار بالتعدد في الواقع الاجتماعي والثقافي، وبين القول بتعدد الحقيقة الدينية. وفي هذه الحلقة، يتواصل الحوار للوقوف عند دوافع الترويج لهذه النظرية في الساحة الفكرية المعاصرة، ومناقشة مرتكزاتها الفلسفية، وعلاقتها بمحورية الإنسان، وإمكان الخلاص، وحدود قدرتها على تحقيق السلم الديني من المنظور الإسلامي.
 
 
س: كيف تطرح التعددية الدينية وبجانبها الفكري والنظري الآن؟ كيف تفهم هذه المسألة وما الدوافع لها اليوم؛ الدوافع المباشرة وغير المباشرة لباحثين ومروجين لها على الساحة الفكرية، خاصة أن منها دوافع منطقية؟
الدكتور كمال لزيق: قد تكون هناك أهداف غير فكرية، فإذا كان الفكر الحاكم في العالم على مستوى منظومة التفكير العالمي أنّها منظومة ليبرالية، وتعالوا نعترف لكل الآخرين أنّهم على حق هذا الكلام مجاملة وكلام اجتماعي، وحديثنا ليس هنا. أما إذا أخذنا الخلفية الإسلامية لا تقبل التعدد في الحق، وموضوع تعدد الحق أنك أنت تؤمنين بأنّ الحق واحد ومطلق، إيمانك بالله إيمانًا مطلقًا وثابتًا لا يتغير، وتفاصيل هذا الإيمان له رؤية عقائدية فلسفية كونية، المسلم يؤمن بإيمان محدد، وهو كمؤمن في هذا المعتقد لا يقبل التعدد؛ بمعنى أن هذا الحق يمكن أن يكون حقًّا ويمكن أن لا يكون. أو يمكن أن يأتي شخص آخر بمعنى أنه يمتلك عقائد أخرى على المستوى الديني أو غير الديني، وأنا أبرر له انطلاقًا من نسبية الحقيقة أنني على حق، وأنت على حق. بهذا المعنى الفكري الكوني العقائدي لا تعدد في الحق، أما إذا كان المقصود تعددًا في السلوك فلا إشكال في ذلك.
يمكن الحديث عن نقطة ثالثة بالإضافة إلى التعدد في السلوك، وعدم الإيمان بالتعدد في الحق فتح باب الخلاص، فصحيح أن الإيمان الإسلامي لا يؤمن بالتعددية الدينية بمعنى تعددية الحق، ولكن هذا الشيء لا يعني أن شفاعة الله ورحمة الله قد لا تنال الآخرين، سواء كانوا مسلمين غير ملتزمين بالإسلام أو غير مسلمين، هذا الموضوع بحسب التعبير القرآني ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ مرجون بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يتشخص وضعهم يوم القيامة بأنهّم في حالة قصور أو تقصير، هل هم في حالة عناد؟ يمكن أن يقضي الإنسان حياته في التفتيش عن الحقيقة ولا يصل إليها، وقد يكون معذورًا يوم القيامة. هناك فرق بين أن أتعامل مع هذا الآخر في موضوع الخلاص في نظرة شخصية ذاتية ضيقة، وتختلف عن النظرة القرآنية الكلية، بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى قال لنا في القرآن: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. دعيني أسأل سؤالًا: لو فرضنا أنّ هناك إنسانًا لم تصله الحقيقة، ولم يبلغه هذا القرآن كيف نتعامل معه؟ إذًا، الموضوع الذي يتعلق في سبيل النجاة والخلاص هذا أمر متروك ومرجو لأمر الله، لكن هل ينجو رغم أنّ الحق بمعنى العقائدي والكوني والفكري والثقافي واحد، ولكن رحمة الله وسعت كل شيء.
س: قد تكون هذه فعلًا من أهم مرتكزات التعددية الدينية، وقد نشترك معهم في ذلك، لكن هناك مرتكزات أخرى تثير الريبة خاصة أنّها تنطلق من مذهب إنساني،humanism والمنطلق هو الإنسان وهو الذي يصنع الحقيقة، بينما في الإسلام محور الوجود هو الله سبحانه وتعالى، كيف يمكن الاتفاق معهم على هذه الإشكالية؟
الدكتور كمال لزيق: عندما ننطلق من محورية الله في الكون والحياة والوجود والسلوك والأخلاق، أو ننطلق من محورية الإنسان، إذًا، نحن نعتمد على مرتكزات مختلفة ومتباينة، وعندما أقول محورية الإنسان أقصد بها في الفهم الغربي، لأنّني يمكنني القول: إنّ الإيمان الإسلامي قائم على محورية الإنسان في هذا العالم، بمعنى أنه خليفة الله. لكن مرة تكون هذه المحورية بالاستقلال عن الله وإرادته سبحانه وتعالى، ومرة نقول نحن نعتمد على مرتكزات مختلفة ومتباينة، وقد تكون هذه المحورية بالاستقلال عن الله سبحانه وتعالى وإرادته فأقع في الخطأ.
س: هذه المسألة تهم شريحة كبيرة من المسلمين في الشرق الأوسط، وفي إيران والمغرب العربي هناك من طرح هذه المسألة من باب أنّ أهل العرفان والتصوف يؤمنون بهذا المرتكز، أن المحورية للإنسان على مبدأ أنّه خليفة الله، وأنّ الله يتجلى في مظاهر الكون؟
الدكتور كمال لزيق: ليس فقط أهل التصوف يؤمنون بذلك، بل كل المسلمين وعلى مختلف مشاربهم.
س: كان المرتكز الأساسي عند الدكتور سروش في إيران، وعند الدكتور محمد أركون في المغرب أن أبقوا على محورية الله، وأن الفهم هو إنساني.
الدكتور كمال لزيق: دخلنا نقطة أخرى يبدو أنّ فهم محورية الإنسان بالنسبة لهؤلاء المفكرين تقترب أكثر إلى الفهم الغربي منها إلى الفهم الإسلامي عند سروش أو عند أركون أو غيره، عندما نتحدث عن محورية الإنسان التي هي في طول إرادة الله، ومحورية الله في هذا العالم بمعنى أنّ هذا الإنسان هو إلهيّ، وهو بهذا المعنى كما يستند إلى العقل يستند إلى النص الديني في فهم الأشياء، وفي فهم التعددية الدينية أو غيرها من المفاهيم، ولكن محورية الإنسان بالفهم الغربي كما هو الشائع بالفهم الغربي والمفكرين الغربيين وحتى غير الغربيين، محورية الإنسان موضوعة في عرض محورية الله بمعنى أن لا دخل للنص المقدس، ولا دخل للسماء في شؤون الإنسان على وجه الأرض، وبالطبع هذا تناقض واضح. ولكن إذا نظر أتباع أو مفكرو محورية الإنسان بهذا المعنى شيء طبيعي أن يصلوا إلى التعدد في الحق، وإلى نسبية الحقيقة بمعنى ليس هناك شيء مطلق، وهذا الكلام هو مطلق وعلى إطلاقه ينال الله سبحانه وتعالى، وحتى الإيمان بالله هو موضوع نسبي. أما إذا أخذنا محورية الإنسان بالفهم الإلهي أن هذا الإنسان هو محور الوجود لا شك بحسب الإيمان الإسلامي، ولكنّه ليس موضوعًا في قبال إرادة الله سبحانه وتعالى، محورية هذا الإنسان بأنّه خليفة الله ويجب أن تتجلى به الأسماء الإلهية في هذا العالم، وبالتالي للنص المقدس مدخلية أساسية في فهم هذه الأرض ومن عليها لحكمها بالعدل ووفق الإرادة الإلهية، واستنادًا إلى العقل الذي قال فيه صدر الدين الشيرازي: “حاشى للشريعة الحقة أن تتناقض والعقل الصريح”، أو العقل القطعي إذا صح التعبير بهذا المعنى. وبالتالي نحن أمام مفترقين بمفهوم التعددية الدينية بناءً لهذا الفهم. إذا فهمنا الأصل في النظرة إلى الإنسان والوجود والكتاب المقدس نصل إلى افتراق بفهم معنى التعددية الدينية، لأنّ أصل فكرة التعددية الدينية المستندة إلى محورية الإنسان في الغرب قائمة على فكرة جدًّا مركزية وهو التناقض بين قدرة العقل على البرهنة على الإيمان من جهة، وبين أنّنا لا نستطيع التخلي عن الدين لأنّ الدين يدخل في مشاعر الإنسان وفي وجدانه، وهذا الشيء لم يستطع الغرب رغم محاربته للنص المقدس والنص الديني منذ حوالي 400 سنة لكي يصلوا إلى نوع من المصالحة الفكرية أو المصالحة التاريخية، هذه حركة تحصل في المجتمعات بطريقة انسيابية غير مقصودة، ولهذا السبب لا نستطيع أن نأخذ أي فكرة إلا في سياقها التاريخي والتطوري لهذا المجتمع.
س: سؤال أخير، هل ترى الآن دكتور بهذا الشرح أن نظرية التعددية الدينية وكما يتناولها منظّروها قد تشظت؟ هناك إيجابيات، ولكن بالمقابل هناك تناقضات على المستوى الجوهري؟
الدكتور كمال لزيق: نعم، هناك فرق جوهري أن نفهم التعددية الدينية بمعنى أنّ كل ما نؤمن به هو صح دينيًّا بهذا المعنى المطلق، وهذا ليس مذمة في الأديان وإن كانت الأديان فيها كثير من المشتركات على مستوى القيم وعلى المستوى الاجتماعي.
س: أكيد نحن لا نركّز على الأديان، بل على مرتكزات التعددية الدينية.
الدكتور كمال لزيق: نعم هناك كثير من المشتركات بيننا في الأديان، ولكن عندما تأتي النوبة إلى موضوع المرتكز الفكري، نصرّح ونقول إنّ الحقيقة لا يمكن لكل أحد ديني أن يقول هناك تعددًا في الحق الإلهي، لأنّ الحق الإلهي هو حق مطلق.
س: قد تذهب آنذاك كل المباني العقلية والدينية؟
الدكتور كمال لزيق: الفرق بين الديانات وخصوصًا التوحيدية في النظرة إلى موضوع الله سبحانه وتعالى، أو الإيمان في الموضوع العقائدي إجمالًا. نعم نحن ندعي التميز في هذا الموضوع أن الشخص أو الإنسان المسلم هو يتبع المقولة التالية: “أنا أعقل لكي أؤمن”، خلاف ما قاله أوغسطينوس: “أنا أؤمن لأعقل”، هذه المعادلة المختلفة رغم الإيمان المشترك في كثير من القيم بين الإسلامية والمسيحية لكن على مستوى أصل الإيمان أو المستند العقلي لموضوع الإيمان هناك اختلاف جوهريّ. الإيمان المسيحي تقبلين به على أساس الإيمان، لذلك في الحالة الإسلامية أنا أتعقل لكي أؤمن.
س: من هنا كيف نفهم الطرح الإيجابي لمفهوم التعددية الدينية، وأن اعتناقها يؤمن الصلح الديني العالمي؟
الدكتور كمال لزيق: ما تسألينه الآن لا دخل له مباشرة في الموضوع الفكري الثقافي العقائدي، وهذا الموضوع هو من الناحية الاجتماعية.
س: خاصة أنه في السنوات السابقة نشأت صراعات دينية ومذهبية عنوانها الظاهر كان هكذا، ولكن منطلقاتها مختلفة إلا أنّها جعلت نظرية التعددية الدينية تطرح على الساحة الفكرية بقوة؟
الدكتور كمال لزيق: للأسف هذا استثمار سياسي في هذه الحركات الإرهابية المتوحشة. وللإشارة فقط، العقل المتطرف عادة هو عقل مريض، وهنا لا سبيل لربط هذا العقل المريض بالإسلام أو غير الإسلام.
انتهی
المصدر: معهد المعارف  الحکمیة

برچسب ها :
ارسال دیدگاه