قبس من نور
حين أصبح العلم ميدان الإمامة
د.أحمد باقر الطویل
لم تكن مواجهة الإمام علي بن موسى الرضا(ع) مع المأمون العباسي سياسيةً فحسب، بل امتدت إلى ميدانٍ أخطر؛ ميدان الفكر والعقيدة. ففي ذلك العصر شهد العالم الإسلامي نهضةً علمية واسعة، وازدهرت حركة ترجمة كتب الفلسفة والمنطق والطب والعلوم، حتى أصبحت بغداد وخراسان مركزين للمعرفة. وكان لهذا الانفتاح أثرٌ كبير في إثراء الحياة العلمية، لكنه أدخل أيضًا أسئلةً عقدية وفلسفية جديدة، حتى بدأ بعض الناس يجعلون العقل البشري حاكمًا على الوحي بدل أن يكون معينًا على فهمه.
وفي الوقت نفسه، لم تكن التحديات خارجية فقط، بل ظهرت من داخل الأمة أيضًا. فقد وقفت جماعةٌ عند إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع)، وأنكرت انتقال الإمامة إلى الإمام الرضا(ع)، فعُرفت بالواقفة، ثم جاءت محنةٌ أخرى حين تأخر ولادة الإمام محمد الجواد(ع)، فاستغل بعض المشككين ذلك لإثارة الشبهات حول استمرار الإمامة.
وهكذا وجد الإمام الرضا(ع) نفسه أمام جبهتين في آنٍ واحد؛ جبهةٍ تحمل الأسئلة الفكرية القادمة من الخارج، وجبهةٍ تحمل الشبهات والانقسامات من الداخل. لكن الإمام لم يواجه هذا الواقع بالانغلاق، ولم يرَ في العقل خصمًا للوحي، بل واجهه بالعلم، وربط بين البرهان والإيمان، حتى أثبت أن الحقيقة لا تخشى السؤال.
كان المأمون يجمع علماء الأديان والمذاهب المختلفة، ويقيم مجالس المناظرات بحضور كبار رجال الدولة، ظنًا منه أن كثرة العلماء ستضع الإمام في موقفٍ صعب، أو تجعله واحدًا من علماء عصره لا أكثر. إلا أن الذي حدث كان عكس ما أراده. فقد كان الإمام يحاور كل فريقٍ بما يؤمن به؛ فيخاطب اليهود من التوراة، والنصارى من الإنجيل، وأصحاب الفلسفة بلغة العقل والبرهان، حتى شهد له خصومه قبل محبيه بسعة العلم وقوة الحجة. ولم يكن هدفه الانتصار في الجدل، وإنما هداية الناس إلى الحقيقة.
وقد رسم القرآن هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، (النحل: 125). فالجدال في الإسلام ليس لإسكات الخصم، وإنما لإظهار الحق بالحكمة.
وهكذا تحولت المجالس التي أرادها المأمون لإظهار هيبة الدولة إلى شهادةٍ جديدة للإمامة، وأصبح الناس يرون في الإمام الرضا(ع) الامتداد الحقيقي لعلم رسول الله(ص). غير أن المناظرات لم تكن الميدان الوحيد للامتحان. ففي داخل الأمة نفسها كان الإمام يواجه آثار الوقف على الإمام الكاظم(ع)، وما أحدثته المصالح والشبهات من اضطرابٍ في فهم الإمامة. ثم جاءت محنة تأخر ولادة الإمام الجواد(ع)، فوجد بعض الضعفاء في ذلك مدخلًا للتشكيك، مع أن الإمامة ليست قضية أعمارٍ أو حساباتٍ بشرية، وإنما اصطفاءٌ إلهي يجعله الله حيث يشاء. لكن الإمام الرضا(ع) واجه هذه الابتلاءات كما واجه المناظرات؛ بالصبر، والبيان، وترسيخ المفهوم الصحيح للإمامة، حتى بقيت العقيدة محفوظة، ولم تتحول الشبهات إلى انقسامٍ دائم.
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، (العنكبوت: 2). فالفتنة ليست دائمًا سيفًا يرفعه العدو، بل قد تكون شبهةً تتسلل إلى العقول، أو اختبارًا يمتحن ثبات اليقين.
لقد أثبت الإمام الرضا(ع) أن الدفاع عن العقيدة لا يكون برفض العقل، بل بتوجيهه، ولا بإغلاق أبواب الحوار، بل بالدخول إليها بعلمٍ راسخ وأخلاقٍ عالية. ولهذا خرج الإمام من كل مناظرة وقد ازداد الناس يقينًا بإمامته، بينما خرج مشروع المأمون أكثر ضعفًا.
وقد لخّص القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، (المجادلة: 11). فالعلم الذي اقترن بالإيمان بقي أثره بعد زوال الدول، أما سلطان السياسة فانتهى بانتهاء أصحابه، وبقي الإمام الرضا(ع) مدرسةً يقصدها طلاب الحقيقة إلى يومنا هذا.
غير أن رحلة الإمامة لم تتوقف عند الإمام الرضا(ع)، بل بدأت بعدها صفحةٌ جديدة حملت امتحانًا لم تعرفه الأمة من قبل، حين انتقلت الإمامة إلى الإمام محمد الجواد(ع) وهو في سنٍ مبكرة. فكيف واجه الإمام هذا التحدي؟ وكيف حفظت الإمامة مسيرتها في تلك المرحلة؟
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




