هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

 سلسلة "الصوت الذي بقي".حين انفتح باب العلم

قبس من نور

 سلسلة "الصوت الذي بقي".حين انفتح باب العلم

أحمد باقر الطويل

لم تُثمر كربلاء في يومها وحده، ولم يكن ما صنعه الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع) بعد عاشوراء غايةً في ذاته، بل كان تأسيسًا لمرحلةٍ جديدة من بقاء الرسالة. فحين ربّى الإنسان، وحفظ علوم أهل البيت(ع)، وغرس بذور الإيمان في زمن الخوف، كان يمهّد لليوم الذي تتحول فيه تلك البذور إلى نهضةٍ علمية تعيد للأمة صلتها بالإسلام الأصيل. وقد جاء ذلك اليوم في عصر الإمام محمد الباقر(ع)، حين انفتح باب العلم، وبدأت الرسالة تستعيد حضورها في العقول كما حفظها الإمام الحسين(ع) بدمه، وصانها الإمام زين العابدين(ع) بالصبر والتربية.
لم تكن النهضة العلمية التي قادها الإمام الباقر(ع) حدثًا مفاجئًا، ولا نتيجة تبدلٍ سياسي عابر، بل ثمرة إعدادٍ طويل بدأ منذ كربلاء. فالرسالات الإلهية لا تنتقل من مرحلةٍ إلى أخرى اعتباطًا، وإنما وفق حكمةٍ تجعل لكل إمام دوره الذي تقتضيه ظروف زمانه. فإذا كان الإمام الحسين(ع) قد حفظ أصل الدين بالتضحية، والإمام زين العابدين(ع) قد حفظ الإنسان بالتربية، فإن الإمام الباقر(ع) بدأ مرحلة حفظ الدين بالعلم، وإعادة بناء الوعي الإسلامي بعد سنواتٍ من الاضطراب الفكري واختلاط المفاهيم.
وحين دخلت الدولة الأموية مرحلة الضعف والانشغال بصراعاتها الداخلية، وجد الإمام فسحةً لم تكن متاحةً لمن سبقه، فاستثمرها في أداء رسالته. ولم يكن يرى في تلك الظروف فرصةً لطلب السلطة، بل فرصةً لإحياء العلم، لأن الأمة كانت بحاجةٍ إلى من يعيدها إلى القرآن الكريم، وإلى السنة الصحيحة التي بقيت محفوظةً في بيت النبوة، أكثر من حاجتها إلى صراعٍ سياسي جديد.
ومن هنا استعادت المدينة المنورة شيئًا من رسالتها الأولى. فلم تعد مجرد مدينةٍ تحفظ ذكرى رسول الله(ص) ، بل عادت مركزًا للهداية، يقصدها طلاب العلم من مختلف الأقاليم. ولم تكن مجالس الإمام الباقر(ع) مجالس روايةٍ وحفظٍ فحسب، بل كانت مدرسةً تبني العقل، وتربط النص بمقاصده، وتعيد للإسلام صفاءه الأول، بعيدًا عن تأثير السياسة وتقلبات الأهواء.
وكان الإمام يبدأ مشروعه من المنبع؛ فلم يسعَ إلى تقديم فهمٍ جديد للدين، وإنما أعاد الناس إلى الإسلام كما نزل على رسول الله(ص) . ولذلك شملت دروسه تفسير القرآن، والعقيدة، والفقه، والأخلاق، والسيرة، حتى أصبح العلم وسيلةً لبناء الإنسان، لا مجرد معلوماتٍ يتداولها الناس.
لقد أدرك الإمام الباقر(ع) أن أخطر ما أصاب الأمة بعد الفتن لم يكن ضعفها السياسي وحده، بل اضطراب فهمها للدين، وأن إصلاح هذا الخلل يبدأ بإحياء المرجعية العلمية الأصيلة، وإعادة الثقة بأن في أهل البيت(ع) الامتداد الطبيعي لعلم رسول الله(ص) ، وأن بيان القرآن لا ينفصل عنهم.
وهكذا لم تكن النهضة التي بدأها الإمام الباقر(ع) مجرد اتساعٍ في حلقات الدرس، بل كانت بداية مرحلةٍ جديدة من تاريخ الرسالة، انتقل فيها مشروع أهل البيت(ع) من حفظ الإيمان في النفوس إلى إعادة بناء العقل الإسلامي، لتعود المدينة مرةً أخرى منارةً للعلم، كما كانت في عهد النبي(ص) .
غير أن هذه النهضة لم تكن غايتها نشر العلم وحده، بل إعداد الرجال الذين يحملونه، ويصونونه، وينقلونه إلى الأجيال. فكيف استطاع الإمام محمد الباقر(ع) أن يحول هذه البداية المباركة إلى مدرسةٍ تصنع العلماء، وتؤسس لأعظم نهضةٍ علمية شهدها تاريخ الإسلام؟
ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه