نافذة على المقالات
الإمام الخامنئي: فقه المستقبل
الكاتب: حسام مطر
في خضمّ الكم الهائل من الكتابات التي تُنشر يومياً عن إيران وقيادتها، قلّما نجد مقالاً يتناول، بدلاً من الأحداث اليومية، الإطار الفكري بعيد المدى الذي رسمته هذه القيادة للمستقبل. يقوم حسام مطر، الأستاذ الجامعي اللبناني، بذلك في هذه المقالة التحليلية: يستقصي وثيقتين أساسيتين صادرتين عن الإمام السيد علي الخامنئي؛ «النموذج الإسلامي الإيراني للتقدّم» الذي صدر عشية الذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإسلامية عام 2018 ويرسم أفقاً يمتد حتى عام 2065، وبيان «الخطوة الثانية للثورة» الصادر عام 2019 موجّهاً إلى جيل الشباب.
يرى الكاتب أن هاتين الوثيقتين تفتحان نافذة لفهم المنطق الحاكم للقرارات الاستراتيجية الإيرانية؛ منطق، وخلافاً للتصوّر الشائع، لا يقوم فقط على انتظار غيبي، بل هو مزيج من العقلانية، وتحديد الأهداف الكمّية والنوعية، والإيمان بدور الإنسان الفاعل في صناعة المستقبل.
يستخلص مطر عشرة محاور أساسية من هاتين الوثيقتين: من الاعتقاد بأن العمل من أجل المستقبل تكليف، إلى فكرة أن الثورة يجب أن تتجدّد جيلاً بعد جيل حتى لا تصاب بالركود. ويشير إلى مفهوم «الحضارة الإسلامية» بوصفه الغاية النهائية لمسار الثورة؛ مسار يبدأ، بحسب قوله، من الثورة وينتهي بالتتابع إلى النظام والدولة والمجتمع والأمة الإسلامية. ويؤكد الكاتب أن هذه الرؤية تقوم على أساس التنافس الحضاري والتأثير الفكري، لا التوسّع العسكري، وتستفيد من المناخ الدولي الناشئ الذي تكتسب فيه القوى الشرقية كالصين والهند وروسيا مكانة أكبر.
يخصّص الكاتب جزءاً مهماً من التحليل للعدالة الاجتماعية والاقتصاد المقاوِم. ويُظهر كيف أن الوثائق موضع البحث تعتبر الفساد السياسي غير مقبول حتى في أضيق أبعاده، وتطرح استقلال الموازنة عن عائدات النفط هدفاً استراتيجياً لتحصين الاقتصاد في مواجهة العقوبات. وفي هذا السياق، يشير مطر إلى سعي القيادة لموازنة ثنائيات من قبيل العلم والدين، أو الهوية الوطنية والدينية؛ سعي يرى فيه الكاتب ابتعاداً عن التفكير الأحادي والمتطرّف.
ومن النقاط اللافتة الأخرى في هذه المقالة، تأكيد الكاتب على مكانة الشعب في هذا الإطار الفكري. إذ يذكّر بأنه في عملية إعداد وثيقة التقدّم، طُلب من المؤسسات والجامعات والحوزات العلمية مراجعة المسودّة ومناقشتها، ونُشرت الوثيقة للاطلاع العام عبر الإنترنت؛ وهو إجراء يصوّر، بحسب رأيه، نظام ولاية الفقيه في هيئة ما يُسمّى «السيادة الشعبية الدينية».
وتختتم المقالة بتحذيرين يحملان طابعاً نصحياً أكثر منه تحليلياً: الأول أن صنع السياسات من دون رؤية بعيدة المدى يحمل تكاليف خفية لا تظهر إلا في المستقبل؛ والثاني أن النية الحسنة والقيم السامية لا تُغني عن النقد والمساءلة. ويخلص الكاتب في تقييمه الختامي إلى أن هذا المنهج، رغم حمولته الأيديولوجية، يمثّل نموذجاً جديراً بالتأمل بالنسبة للدول النامية الساعية إلى مسار مستقل نحو التقدّم.
المصدر: جريدة الأخبار (لبنان) | 26 آب/أغسطس 2020
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




