قبس من نور
أمانة البقاء
أحمد باقر الطويل
ليست جميع اللحظات العظيمة في التاريخ تُقاس بما وقع فيها، بل بما بقي بعدها. فكم من معركة انتهت بانتهاء يومها، وكم من قائدٍ ملأ الدنيا ضجيجًا ثم لم يبقَ منه إلا اسمٌ في صفحات التاريخ. أما الرسالات الإلهية فلا تُقاس بلحظة الحدث وحدها، وإنما بما تتركه من أثرٍ يبقى بعد انقضائه. ولهذا لم يكن السؤال الأكبر بعد عاشوراء: من استشهد؟ بل كان السؤال الأخطر: من سيبقى؟
لقد بدا المشهد في كربلاء وكأن كل شيء قد انتهى. ارتقى الإمام الحسين(ع) شهيدًا، ولحق به أهل بيته وأصحابه، وأُحرقت الخيام، وسُبيت النساء، وسيق الأطفال أسرى، حتى خُيّل للناظر أن الطغيان لم ينتصر بالسيف وحده، بل نجح أيضًا في إسكات آخر صوتٍ يمكن أن يروي للأمة حقيقة ما جرى. غير أن إرادة الله شاءت غير ذلك.
فكما شاء سبحانه أن يكون للحسين(ع) يومٌ يوقظ ضمير الإنسانية، شاء أيضًا أن يبقى بعده من يحمل تلك الرسالة، ويصونها من الضياع، حتى لا تتحول عاشوراء إلى ذكرى تاريخية، بل تبقى مدرسةً تهدي الأجيال.
ذلك الباقي لم يكن قائد جيشٍ جديد، ولا صاحب رايةٍ يواصل القتال، بل كان الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع)؛ خرج من كربلاء أسيرًا، يحمل في قلبه من الألم ما تعجز الكلمات عن وصفه، لكنه حمل معه أيضًا أمانةً أعظم من الألم نفسه: أمانة حفظ رسالة كربلاء.
وقد ينظر الإنسان إلى ظاهر الأحداث، فيقول إن الإمام بقي حيًا لأنه كان مريضًا يوم عاشوراء، فلم يشارك في القتال. وهذا يفسر ظاهر الواقعة، لكنه لا يكشف حكمتها. فالمؤمن يعلم أن الله إذا أراد أن يحفظ رسالةً خالدة، فإنه لا يهيئ لها رجال الشهادة وحدهم، بل يهيئ أيضًا رجال البقاء. ولو استشهد الإمام زين العابدين(ع) مع أبيه، لبلغت كربلاء ذروة التضحية، لكنها كانت ستفقد الشاهد الذي يحمل حقيقتها، ويكشف مقصدها، ويمنع أن يكتبها المنتصرون كما يشاؤون. وهنا تتجلى سنة إلهية عميقة؛ فكما أن للشهادة رجالًا، فإن للبقاء رجالًا أيضًا. لقد حفظ الإمام الحسين(ع) الدين بدمه، وحفظ الإمام زين العابدين(ع) ذلك الدم من أن يُنسى أو يُحرَّف. فالدم يستطيع أن يهز الضمائر، لكنه لا يشرح نفسه. والشهادة، مهما بلغت عظمتها، تحتاج إلى من يحفظ معناها، ويبين أهدافها، حتى لا تضيع بين دعاية السلطة وغبار الزمن. ولهذا لم يُبقِ الله الإمام السجاد(ع) لينجو من كربلاء، بل ليحمل كربلاء إلى المستقبل.
ومن هنا نفهم أن أمانة البقاء لم تكن أقل شأنًا من أمانة الشهادة، بل كانت امتدادًا لها. فكلتاهما كانتا جزءًا من المشروع الإلهي لحفظ الدين، إحداهما بالدم، والأخرى بالكلمة والوعي. وهكذا لم تكن كربلاء خاتمة الطريق، بل بداية مرحلة جديدة، انتقلت فيها الرسالة من ميدان الدم إلى ميدان الكلمة، ومن صوت السيوف إلى صوت الحقيقة.
لكن كيف حمل الإمام زين العابدين(ع) هذه الأمانة وهو خارجٌ من كربلاء أسيرًا؟ وكيف استطاع أن يحول القيود إلى منبر، والأسر إلى رسالة، حتى بدأ الانتصار الحقيقي لعاشوراء بعد انتهاء المعركة؟
ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




