هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

حين يصبح الإنسان حجاب نفسه الأخير

قبس من نور

حين يصبح الإنسان حجاب نفسه الأخير

أحمد باقر الطویل

ليست المشكلة دائمًا أن الإنسان لا يعرف الحق، بل أن نفسه تقنعه بأنه ما يزال قريبًا منه، بينما هو يبتعد عنه خطوة بعد أخرى دون أن يشعر.
فالانحراف لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل من تفاصيل صغيرة: نظرة يتساهل معها، كلمة يمرّ عليها، رغبة يبررها، أو تعلق خفي يعيد تشكيل الداخل بصمت.
ولهذا لم تكن العبادة مجرد علاقة عابرة بين الإنسان وربه، بل حالة يقظة مستمرة، لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ حين يسقط الإنسان، بل حين يفقد القدرة على رؤية تغيّره الداخلي وهو يظن أنه بخير. ومن هنا تكون الحُجب الأخطر تلك التي تتكوّن في الداخل حتى يصبح الإنسان حجاب نفسه الأخير.
يقول القرآن الكريم: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، ويقول تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، في إشارة إلى أن المحاسبة تمتد إلى ما وراء الظاهر، إلى النوايا والحركات الدقيقة التي يصنعها القلب قبل الجسد. فالإنسان لا يبتعد عن الحقيقة دفعة واحدة، بل حين يعتاد الباطل في داخله شيئًا فشيئًا.
والذنوب لا تبدأ كعذاب، بل كاعتياد. فاللسان الجارح، والظلم، والتكبر، والحسد، والتعلق المرضي بالذات، ليست أفعالًا عابرة، بل بذور تُزرع في الداخل ثم تُسقى بالتكرار حتى تتحول إلى طبائع.
ولهذا شبّه أهل المعرفة بعض الأعمال بالشوك الذي يزرعه الإنسان بيده ثم يضطجع عليه لاحقًا فلا يجد راحة، بينما الرحمة وحسن الخلق والعفو والإحسان هي خيوط حرير ينسج بها الإنسان راحته قبل أن يصل إليها.
وفي مقابل ذلك يعيش كثير من الناس داخل التكاثر، منشغلين بالكثرة والمقارنة والإنجاز، بينما يزداد داخلهم فراغًا. أما الكوثر فهو غنى داخلي يحرر الإنسان من الحاجة المستمرة لإثبات نفسه عبر الخارج، فينتقل من قلق الامتلاك إلى سكينة الاكتفاء بالله.
وفي عمق التوحيد، لا يكون الشرك مجرد عبادة غير الله، بل تعلق القلب بغيره خوفًا أو اعتمادًا أو انبهارًا. فالتوحيد ليس فكرة ذهنية، بل تحرر داخلي يعيد ترتيب المخاوف والتعلقات، حتى لا يبقى في القلب إلا مركز واحد يثبت الإنسان وسط تقلبات الحياة.
وكذلك الموت، ليس انهيارًا لمن حصر الدنيا في ظاهرها، بل عبورًا لمن اتسعت رؤيته لما وراءها. فحين تضيق الرؤية، يصبح الموت نهاية، وحين تتسع، يصبح انتقالًا إلى سعة أخرى.
وفي النهاية، ليس أخطر ما يواجه الإنسان هو الخطأ الظاهر، بل أن يفقد حساسيته تجاه نفسه، فيعتادها دون مراجعة، حتى ينحدر بصمت وهو يظن أنه ثابت. وهكذا يصبح الإنسان تدريجيًا حجاب نفسه الأخير، لا لأن الحقيقة غابت، بل لأنه اعتاد ألا يلتفت إليها وهي تتراجع داخله.
وربما لم يعد السؤال: ماذا يعرف الإنسان عن الحقيقة؟ بل: كم بقي في القلب من قابلية لرؤيتها؟

برچسب ها :
ارسال دیدگاه