حوار العدد
الشيخ محمد الكرباسي في حوار مع «الآفاق» مركز النجف الأشرف... ذاكرةُ الحوزة وآفاقُ المستقبل
الحلقة 1
تقدیم
يحظى مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر بمكانة علمية متميزة في خدمة التراث الحوزوي، من خلال مشاريعه في التأليف والتوثيق وحفظ الذاكرة العلمية لمدينة النجف الأشرف.
وفي هذا الحوار، الذي يُنشر على حلقتين، نستضيف سماحة الشيخ محمد الكرباسي، مؤسس ومدير المركز، للحديث عن مسيرة المركز، وأبرز مشاريعه وإنجازاته، ورؤيته لمستقبل العمل التوثيقي، وآفاق التعاون بين المؤسسات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة، بما يسهم في صيانة التراث الحوزوي وخدمة الباحثين.
إلیکم الحلقة الأولی من نص الحوار:
1. دوافع تأسيس المركز
السؤال: ما الدوافع العلمية والثقافية التي كانت وراء تأسيس مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر؟ وما الرسالة التي يحملها المركز اليوم في خدمة التراث العلمي والثقافي لمدينة النجف الأشرف؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
نشأت فكرة تأسيس مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر من شعور عميق بالمسؤولية تجاه التراث العلمي والحضاري لمدينة النجف الأشرف، هذه المدينة التي مثّلت، منذ هجرة الشيخ الطوسي إليها سنة 448هـ، واحدة من أهم الحواضر العلمية في العالم الإسلامي، واحتضنت خلال قرون طويلة آلاف العلماء والفقهاء والمفكرين والأدباء، وأنتجت تراثا علميا وفكريا واسعا في مختلف حقول المعرفة.
غير أن هذا التراث تعرض في مراحل تاريخية متعددة للضياع والتلف والمصادرة والحرق. فقد فقدت النجف كثيرا من مكتباتها ووثائقها ومخطوطاتها بسبب الحروب والاضطرابات السياسية، وما تعرضت له المدينة في العهد العثماني، ثم ما قامت به السلطات البعثية من مصادرة المكتبات الخاصة والعامة، وإحراق الكثير من الكتب والوثائق، وملاحقة العلماء والأسر العلمية، فضلا عن هجرة عدد كبير من الشخصيات العلمية خارج العراق، وانتقال جانب من تراثها إلى بلدان مختلفة.
من هنا بدأت بذرة المشروع في حدود سنة 1996م، حين شرعنا، بإمكانات محدودة جدا، في تصوير بعض المخطوطات وحفظها على الأقراص الليزرية، بالتعاون والتشجيع من عدد من علماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف. وبعد سنة 2003م اتسع نطاق العمل، وبدأنا بجمع الوثائق والصور والمخطوطات من الأسر العلمية والنجفية، ومن المكتبات الموجودة داخل العراق وخارجه، ولا سيما في إيران وبعض الدول المجاورة.
أما رسالة المركز اليوم فهي المحافظة على ذاكرة النجف الأشرف العلمية والتاريخية والاجتماعية، وجمع ما تفرق من تراثها، وتصويره وفهرسته وتحقيقه ونشره، وإتاحته للباحثين، والعمل على إبراز الدور الحضاري للحوزة العلمية وعلماء النجف في ميادين الفقه والفكر والأدب والسياسة والاجتماع.
2. هوية المركز وميزاته
السؤال: توجد اليوم مؤسسات علمية وبحثية عديدة في العراق، فما الذي يميز مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر عن غيره من المراكز المشابهة؟ وما الخصوصية التي يتمتع بها في مجال التأليف والتوثيق وحفظ التراث؟
الجواب: يتميز مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر بجملة من الخصائص، لعل أهمها أن اهتمامه الأساسي منصب على مدينة النجف الأشرف وحوزتها العلمية وتراث علمائها وأسرها ومدارسها ومكتباتها ومؤسساتها، مع الانفتاح على القضايا الإسلامية والإنسانية العامة المرتبطة بتاريخ النجف ودورها الحضاري.
كما أن المركز لا يقتصر على جانب واحد من العمل الثقافي، بل يجمع بين التأليف والتحقيق والتوثيق والنشر والترجمة والتاريخ الشفاهي وإقامة المعارض وإنتاج الأفلام الوثائقية. فهو لا يمثل مخزنا للوثائق فحسب، وإنما يسعى إلى تحويل الوثيقة والمخطوطة والصورة والرواية الشفوية إلى مادة علمية قابلة للدراسة والتحليل والنشر.
ومن خصوصيات المركز أيضا أنه نشأ من داخل الحوزة العلمية والبيئة النجفية، ويعرف طبيعة الأسر العلمية ومكتباتها وخصوصياتها، وهو ما ساعده على الوصول إلى مواد ووثائق قد لا تكون متاحة للمؤسسات العامة. وقد قامت العلاقة بين المركز وهذه الأسر على الثقة والمحافظة على الحقوق العلمية والأدبية لأصحاب الوثائق والمخطوطات.
ويتميز المركز باستقلاله العلمي والثقافي، وبعمله على خدمة التراث. كما حرصنا على ألا يبقى عمل المركز محصورا في النخبة، فإلى جانب الكتب التخصصية والتحقيقات العلمية، عملنا على إنتاج أفلام وثائقية، وإقامة معارض في الجامعات والمؤسسات، وإعداد قصص موجهة إلى الأطفال والناشئة، وترجمة عدد من الأعمال إلى اللغات الفارسية والإنجليزية والفرنسية والتركية، حتى يصل تاريخ النجف إلى شرائح أوسع من القراء.
3. أبرز المشاريع العلمية
السؤال: لو أردتم أن تقدموا للقارئ أبرز المشاريع والإنجازات العلمية التي أنجزها المركز، فما أهم هذه المشاريع؟ وما أثرها في حفظ التراث العلمي والتاريخي للنجف الأشرف وإحيائه؟
الجواب: أنجز المركز خلال مسيرته عددا كبيرا من المشاريع، ويمكن تصنيفها ضمن عدة مسارات:
المسار الأول هو مشروع جمع الوثائق النجفية وتصويرها وفهرستها، ويشمل الوثائق العلمية والاجتماعية والسياسية، ومراسلات العلماء، والإجازات العلمية، والوقفيات، والصكوك، والرسائل الشخصية، ووثائق المؤسسات والمدارس والحركات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها النجف.
والمسار الثاني هو مشروع تصوير المخطوطات. فقد سعى المركز إلى الوصول إلى المخطوطات الموجودة في مكتبات الأسر العلمية والمكتبات الخاصة، وتصويرها وحفظ نسخ رقمية منها، ولا سيما المخطوطات التي لا توجد منها نسخ أخرى، أو التي يخشى عليها من التلف والضياع.
والمسار الثالث هو أرشيف الصور التاريخية، الذي يضم صور العلماء والشخصيات والمدارس والأسواق والمراقد والمناسبات والوفود والزيارات والحوادث التي شهدتها المدينة. والصورة التاريخية ليست عندنا مادة تزينية، بل وثيقة يمكن من خلالها دراسة العمارة والأزياء والعلاقات الاجتماعية والحياة العلمية والسياسية.
والمسار الرابع هو مشروع التاريخ الشفاهي، الذي يقوم على تسجيل شهادات العلماء والأدباء وأبناء الأسر النجفية والشخصيات التي عاصرت أحداثا مهمة، قبل أن تضيع هذه الذاكرة برحيل أصحابها. وقد أصبح هذا المشروع من الأولويات؛ لأن كثيرا من تاريخ النجف لم يدوّن في الكتب، وإنما بقي محفوظا في صدور الرجال.
والمسار الخامس هو التأليف والتحقيق والنشر، وقد أصدر المركز عشرات الكتب والدراسات والوثائق المحققة، تناولت تاريخ النجف وحوزتها وعلمائها وأحداثها السياسية والاجتماعية، فضلا عن إعادة نشر بعض الآثار النادرة.
ومن مشاريعنا كذلك: الكتب المتعلقة بانتفاضة صفر سنة 1977م، والوثائق الخاصة بمواقف علماء النجف من القضايا الإسلامية، ووثائق تحريم التنباك، والرحلات العلمية، وتاريخ الأسر والمدارس، والمراسلات السياسية والدينية، والوثائق المرتبطة بالقضية الفلسطينية ومواقف علماء النجف منها.
وأصدر المركز كتاب «صفحات مترجمة من تاريخ النجف الأشرف»، الذي جمع دراسات ونصوصا مترجمة من لغات مختلفة، كما اهتم بنشر بعض الرحلات والوثائق القاجارية المتعلقة بالنجف، وإحياء المؤلفات التي بقيت بعيدة عن متناول الباحثين.
ومن المشاريع المهمة أيضا إنتاج سلسلة من الأفلام الوثائقية القصيرة المستندة إلى وثائق تاريخية، ومنها الفيلم المتعلق بمحاورة الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء مع السفير الأجنبي في النجف سنة 1953م. والهدف من هذه الأفلام هو تقديم الوثيقة التاريخية بلغة بصرية معاصرة، مع المحافظة على مضمونها وتسلسلها التاريخي.
كما أطلق المركز مشاريع موجهة إلى الأطفال والناشئة لتعريفهم بتاريخ النجف وعلمائها، مثل قصص الشيخ الطوسي، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد بحر العلوم، وغيرها من الشخصيات والأحداث.
وقد كان لهذه المشاريع أثر واضح في إنقاذ مواد كثيرة من الضياع، وفتح مجالات جديدة أمام الباحثين، وإعادة حضور شخصيات وأحداث لم تكن معروفة إلا في نطاق محدود.
4. كنوز الوثائق والتراث
السؤال: يعرف المركز بما يضمه من أرشيف غني بالوثائق والمخطوطات والصور التاريخية، فهل يمكن أن تحدثونا عن طبيعة هذه المقتنيات وأهميتها والخدمات التي يقدمها المركز للباحثين للاستفادة منها؟
الجواب: يضم المركز أرشيفا واسعا ومتنوعا، يشتمل على نحو ثلاثة ملايين وثيقة، وما يقارب أربعة وستين ألف مخطوط مصور، فضلا عن أكثر من اثنتين وعشرين ألف صورة تاريخية، وهذه الأعداد قابلة للزيادة باستمرار؛ لأن عملية الجمع والتوثيق لم تتوقف.
وتتنوع الوثائق بين المراسلات العلمية، والإجازات، والوقفيات، والوثائق القضائية، والسجلات، والصكوك، والرسائل السياسية، وتقارير الرحالة والدبلوماسيين، ووثائق المدارس الدينية، ومراسلات المرجعيات والعلماء، ووثائق الحركات والانتفاضات والمواقف الوطنية التي شهدتها النجف والعراق.
أما المخطوطات فتشمل علوم الفقه والأصول والحديث والرجال والفلسفة والكلام والأدب واللغة والتاريخ والرياضيات والفلك والطب وغير ذلك. وبعض هذه النسخ كتبه المؤلف نفسه، أو قرئ عليه، أو يحمل تملكات وإجازات وتعليقات لعلماء كبار، وهو ما يمنحه قيمة علمية مضاعفة. ويضم أرشيف الصور مشاهد للنجف القديمة، والمرقد العلوي، والمدارس الدينية، والمجالس العلمية، والوفود، والتشييعات، والتظاهرات، والاحتفالات، والأسواق والمهن والشخصيات الاجتماعية. وتكمن أهمية هذه المقتنيات في أنها تساعد على إعادة كتابة تاريخ النجف والعراق اعتمادا على المصادر الأصلية، بدل الاكتفاء بما نقلته الكتب المتأخرة أو الروايات غير الموثقة
أما الخدمات التي يقدمها المركز للباحثين فتشمل إرشادهم إلى المصادر، وتوفير الصور والنسخ الرقمية بحسب طبيعة البحث والحقوق المتعلقة بالمادة، ومساعدتهم في قراءة الوثائق وتحديد تواريخها وشخصياتها، والإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بتاريخ النجف وأعلامها. كما يستقبل المركز الباحثين وطلبة الدراسات العليا من داخل العراق وخارجه، ويتيح لهم الاطلاع على المواد وفق ضوابط علمية تحفظ حقوق أصحاب الأصول وحقوق المركز، وتمنع الاستعمال التجاري أو النشر غير المنسوب.
5. الإصدارات والمنتجات العلمية
السؤال: ما أبرز الإصدارات والمنتجات العلمية التي قدمها المركز حتى الآن؟ وما المعايير التي يعتمدها في اختيار موضوعات البحوث وتحقيق الوثائق ونشر الكتب والدراسات؟
الجواب: أصدر المركز عشرات الكتب والبحوث والتحقيقات، وتنوعت موضوعاتها بين تاريخ النجف الأشرف، وتراجم العلماء، والوثائق السياسية والاجتماعية، والمخطوطات، والرحلات، والمواقف الوطنية والإسلامية لعلماء الحوزة العلمية.
وقد اهتم المركز خصوصا بالموضوعات التي لم تنل حقها من البحث، أو التي لا تزال مصادرها موزعة في الأرشيفات والمكتبات الخاصة. ومن إصداراته ومشاريعه كتب عن تاريخ الحوزة العلمية، وتاريخ المدارس والمكتبات، ووثائق الانتفاضات العراقية، ومواقف علماء النجف من الاستعمار والقضية الفلسطينية، ووثائق تحريم التنباك والحركات الدستورية، والرحلات التي تصف النجف وحياتها العلمية والاجتماعية.
كما اهتم المركز بنشر الكتب التي كتبها أو حققها طلبة الحوزة العلمية والباحثون الشباب، ولا سيما البحوث التي تتصل بتاريخ العلماء والأسر والمدارس والكتب والمخطوطات. ولم تقتصر منتجات المركز على الكتب، بل شملت الأفلام الوثائقية، والمعارض، والمواد المصورة، والخرائط التاريخية، والقصص الموجهة إلى الناشئة، والترجمات، فضلا عن نشر الوثائق والصور النادرة مصحوبة بالتعريف والتحليل.
أما المعايير التي نعتمدها في اختيار المشاريع، فمن أهمها:
أولا: أصالة الموضوع وأهميته العلمية.
ثانيا: وجود مصادر ووثائق جديدة يمكن أن تضيف إلى المعرفة التاريخية.
ثالثا: صلة المشروع بتاريخ النجف الأشرف وحوزتها أو بدورها في التاريخ العراقي والإسلامي.
رابعا: سلامة المنهج العلمي في التحقيق والتوثيق، ومقابلة النصوص على أصولها، والتحقق من الأسماء والتواريخ والأماكن.
خامسا: حاجة الباحثين والمكتبة العلمية إلى الكتاب أو الدراسة.
سادسا: قدرة العمل على حفظ مادة مهددة بالضياع أو تقديم شخصية أو حادثة لم تدرس بصورة كافية.
ونحن لا ننظر إلى كثرة الإصدارات بوصفها الغاية الأساسية، بل نحرص على القيمة العلمية، ودقة المعلومة، وأمانة النقل، وخدمة الباحث والقارئ.
تابعوا الجزء الثاني والأخير من هذا الحوار في العدد القادم من أسبوعية «الآفاق».
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




