هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

حين يفقد العالم قدرته على إغوائك

قبس من نور

حين يفقد العالم قدرته على إغوائك

أحمد باقر الطويل

ليست أخطر مشكلة في الإنسان أنه يجهل الحقيقة، بل أن ظاهر العالم ينجح أحيانًا في إقناعه بأنه لا توجد حقيقة أعمق منه.
فالإنسان لا يتعلق بالأشياء لأنها تملك قوة مطلقة عليه، بل لأنه لم ير بعد ما يجعل تلك الأشياء تفقد مركزيتها داخله. ومن هنا لم يكن الفرق بين أولياء الله وغيرهم فرقًا في قوة الإرادة فقط، بل في طبيعة ما يرونه خلف ظاهر العالم.
فالذي يرى العالم سطحًا، يخاف فقدانه، أما الذي ينكشف له باطنه، فلا يعود أسيرًا لما يلمع على سطحه. ولهذا لم تكن العبادة مجرد طقوس تُمارس، بل طريقًا يعيد تشكيل رؤية الإنسان للوجود، حتى لا يبقى محبوسًا داخل ظاهر الأشياء.
الناس لا يختلفون فقط في أفكارهم، بل في نوع الرؤية التي يدخلون بها إلى الحياة. فقد يرى أحدهم المال أمانه الكامل، بينما يراه آخر شيئًا عابرًا لا يستطيع أن يمنحه الطمأنينة. ومن هنا لم يكن الأنبياء أشخاصًا قاوموا الإغراء بصعوبة دائمة، بل كانوا يرون العالم بطريقة مختلفة أصلًا؛ ولهذا لم تستطع المغريات أن تدخل إلى قلوبهم كما تدخل إلى قلوب غيرهم.
يفرق القرآن بين "الملك" و:الملكوت". فالملك هو ظاهر العالم، أما الملكوت فهو باطنه الممتد وراء الصورة التي تراها العين. ولهذا يقول تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وكأن الإنسان يستطيع أن يعيش عمره كله داخل ظاهر العالم دون أن يلتفت إلى أن خلف كل ما يراه طبقة أعمق من المعنى.
ومن هنا لم تكن العبادة انفصالًا عن العالم، بل عبورًا من ظاهر الأشياء إلى حقيقتها. ولهذا دعا القرآن إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، لأن المشكلة ليست دائمًا في غياب الحقيقة، بل في بقاء الرؤية أسيرة السطح.
الدنيا ليست الأرض ولا العمل ولا الجسد، فكل هذه آيات ضمن نظام الخلق، لكن الدنيا تبدأ حين يتحول الشيء إلى حجاب يفصل الإنسان عن الله، وحين يصبح التعلق به أكبر من الحقيقة التي خُلق لأجلها. ولهذا قال الإمام علي (ع): "الدنيا جيفة وطلابها كلاب". لم يكن الحديث عن العالم بوصفه شرًا، بل عن ذلك الوجه الذي يفقد الإنسان حريته ويجعله أسيرًا لما يملك أو لما يتوهم أنه يملكه.
وليست كل الأصنام من حجر؛ فبعض الأصنام يتشكل داخل الإنسان نفسه، حين يصبح أسير صورته أمام الآخرين، أو حين يتضخم داخله التعلق بالمديح والخوف من النقد. وهكذا قد يترك الإنسان مظاهر التعلق بالعالم، لكنه يبقى أسيرًا لأوثان خفية تسكن داخله دون أن يشعر.
فالعبادة في حقيقتها ليست هروبًا من العالم، بل تحررًا من الوهم الذي يجعل الإنسان يمنح الأشياء أكبر من حجمها الحقيقي. ومن هنا لا يبدأ اليقين حين يعرف الإنسان معلومات أكثر فقط، بل حين ينكشف له من الحقيقة ما يجعل قلبه أقل تعلقًا بما يزول، وأكثر قدرة على رؤية ما يبقى.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه