مقال
مقومات مدرسة "الإمام الشهيد"(قد)
الدكتور محمد فنائي أشكوري
مقدمة
الآفاق- يقدم هذا المقال تحليلاً عميقاً وشاملاً لمفهوم "المدرسة" الفكرية، مسلطاً الضوء على السيرة العلمية والعملية لـ "الإمام الشهيد السید علي الخامنئي"(قد). ويستعرض الكاتب كيف تتجاوز هذه المدرسة الأطر التقليدية لتقدم رؤية حضارية متكاملة، تجمع بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة، وتدعو إلى التجديد المستمر والعمل الميداني البنّاء لخدمة قضايا الإنسان والمجتمع.
تبيين مفهوم المدرسة
للدخول في بحث «مدرسة الإمام الشهيد»، يجب أولاً أن نملك تصوراً واضحاً لمصطلح «مدرسة». فالمدرسة في الاستخدام المعاصر تعادل المصطلح الغربي (School of Thought). لم يكن هذا المصطلح شائعاً بهذا المعنى في ثقافتنا التقليدية؛ ولكنه يُستخدم اليوم للإشارة إلى مجموعة متسقة من الأفكار تشمل «الأصول»، «المناهج»، و«المسائل» التي تشكّل تياراً فكرياً مؤثراً.
بشكل عام، يمكن دراسة "المدرسة" في مستويين من المعنى:
1. المعنى المحدود (التخصصي): المدرسة ضمن فرع علمي أو حقل معرفي خاص. مثل مدارس «الجشتالت» أو «السلوكية» في علم النفس، «الليبرالية» في العلوم السياسية، أو مدارس «المشاء»، «الإشراق»، و«فرانكفورت» في الفلسفة. هنا تقتصر المدرسة على غصن واحد من أغصان المعرفة.
2. المعنى الواسع (الحضاري): المدرسة بوصفها نظاماً فكرياً شاملاً يتجاوز الفرع العلمي الواحد. ويشمل هذا النظام «رؤية كونية»، «منظومة قيمية»، و«نمط حياة»، ويمتلك القدرة على بناء حضارة. مثل هذه المدرسة يجب أن تتصف بالشمولية، والانتشار، والانسجام الداخلي، وأن تقدم حلولاً عملية للحياة الاجتماعية (مثل الماركسية التي انطلقت من نواة فلسفية لتنتهي إلى نظام سياسي واقتصادي).
أحياناً يُوسع هذا المعنى ليُطلق على «الأديان» أيضاً؛ من حيث إن الدين يصمم نظاماً شاملاً فكرياً، عقائدياً وعملياً للحياة، كما في تعبير «مدرسة الإسلام».
مكانة مدرسة الإمام الشهيد
بناءً على هذه المقدمة، يمكن القول إن «الإمام الشهيد» صاحب مدرسة ومنظومة فكريّة شاملة، مبرهنة، منسجمة، وبانية للحضارة. وبالطبع، من الواضح أن ما يطرحه هو اجتهاد وفهم عميق من بطن الدين الإسلامي الحنيف، وليس مدرسة بشرية مستقلة في عرض الإسلام؛ لذا تُعرف مدرسته ضمن مدرسة الإسلام؛ ولكننا نسميها «مدرسة» باعتبار أنها «إعادة صياغة»، «إعادة بناء»، و«اجتهاد جديد» قائم على التعاليم الأصيلة، صُمم بالنظر إلى التجارب التاريخية واحتياجات الإنسان المعاصر لحل مسائل اليوم. وهذه المدرسة تُظهر حيوية الإسلام وخلوده في مواجهة الزمان.
خصائص السيرة التعليمية للإمام الشهيد(قد)
كان إمامنا العزيز عالماً بارزاً ومجتهداً من الطراز الأول، تعلم العلوم الإسلامية بعمق وأصبح صاحب رأي فيها، وتُعد آثاره العلمية ودروس البحث الخارج في الفقه شاهداً على هذا التخصص. لكن الميزة التي ميزته هي أنه لم يحصر التعليم في النخبة وأهل العلم فقط.
لقد صرف أكثر من نصف قرن من عمره الشريف في تعليم عامة الناس؛ من الجامعيين والسياسيين والعسكريين إلى الفنانين والأدباء وسائر طبقات الشعب (نساءً ورجالاً، شيباً وشباناً). إن بناء الحضارة لا يتشكل فقط بالدروس الخصوصية في المحافل المحدودة. إن عمل «العلماء الربانيين» من طينة الإمام الشهيد هو امتداد لعمل الأنبياء. فالأنبياء (عليهم السلام) وإن كان لهم أصحاب خاصون، إلا أن مخاطبهم الرئيسي كان «الناس». وخلافاً للفلاسفة الذين يكتبون للنخبة غالباً، كان هدف الإمام الشهيد تغيير المجتمع، إنقاذ الإنسان، وصناعة الحضارة.
ضرورة التدوين الفني للآثار
لحسن الحظ، تم تسجيل أفكاره وتوثيقها جيداً على مدى نصف قرن في قالب مؤلفات، بيانات، خطابات وحوارات. إن واجبنا اليوم هو «التدوين الفني والتخصصي» لهذه الآثار من قبل مجموعة من المتخصصين في مختلف المجالات. وبما أن مباحثه تشمل أبعاداً متنوعة «فلسفية»، «كلامية»، «عرفانية»، «أخلاقية»، «فقهية»، «تفسيرية»، «سياسية»، «اجتماعية»، و«سوسيولوجية»، فإن استخراج هذه المدرسة يتطلب عملاً جماعياً ومنهجياً.
الأبعاد الواسعة لمدرسة الإمام الشهيد(قد)
لا تقتصر هذه المدرسة على المجالات النظرية فحسب؛ بل لها أبعاد «تربوية»، «إدارية»، «استراتيجية»، «استشرافية»، «تبليغية»، «تبيينية»، وأدبية واسعة يمكن تحديدها وفصلها من خلال الدراسة الدقيقة للوثائق المتبقية. ولتحقيق هذا المقصد، يُقترح القيام بأربع خطوات أساسية:
1. الجمع: جمع كافة الآثار والبيانات والمكتوبات.
2. التبويب: فصل وتصنيف المواضيع والمطالب.
3. التدوين: كتابة موسوعة ومعجم تخصصي للإمام الشهيد.
4. التفسير: شرح وتبيين هذه المباحث بشكل علمي وتخصصي.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي النظر إلى هذه المباحث كـ «أصول جازمة» غير قابلة للنقد. إن حيوية واستمرارية ونمو أي مدرسة فكريّة رهين بفتح الباب أمام النقد والتمحيص العلمي؛ وهذا بحد ذاته جزء من عملية تكامل المدرسة.
الخصائص الأربع لمدرسة الإمام الشهيد(قد)
تستند هذه المنظومة الفكرية إلى أربع ركائز:
1. الفقاهة والمعرفة الدينية العميقة: فهمه العميق لمختلف أبعاد الدين متجذر في علمه الواسع بالمعارف الإسلامية، والسنة، والبحث في النصوص الدينية.
2. الابتكار والإبداع: كان يمتلك ذهناً خلاقاً ومبدعاً، ويُعد من المنظرين البارزين في الفكر الإسلامي.
3. الحضور في ميدان العمل: هذه الميزة فريدة وخاصة به. لم يكن الإمام الشهيد مجرد باحث في مكتبة أو معلماً في مدرسة؛ بل كان «رجل الميدان». فكره صُقل في متن النضالات السياسية، المسؤوليات التنفيذية، إدارة الحرب، وقيادة الأمة على المستويين الوطني والدولي. لا نعرف مجتهداً ومفكراً إسلامياً آخر طبق الفكر الديني واجتهد فيه في مثل هذه الساحة الواسعة من العمل بهذه القاطعية.
4. المعاصرة: كان الإمام الشهيد عارفاً تماماً بأفكار ومسائل وتحديات العصر، وكان مصداقاً بارزاً لـ «العالم بزمانه». لم يكن فهمه للدين تجريدياً وذهنياً محضاً، بل كان ناظراً لاحتياجات العصر ومرتبطاً تماماً بفكر وحياة إنسان اليوم.
الرؤية البانية للحضارة
لقد كان فكره منذ ريعان شبابه (كما ورد في كتاب «طرح عام للفكر الإسلامي في القرآن» عام 1974م) يربط العقائد الإسلامية بالمسائل العينية للمجتمع مثل العدالة، التقدم، وبناء الحضارة. ومن هنا، فإننا نجد اليوم في هذا العصر المدرسة التي ترشدنا للحياة الإيمانية وبناء الحضارة في «مدرسة الإمام الشهيد»، ونعتقد أن حضوره وتوجيهه سيستمر بعد شهادته أيضاً من خلال شرح وبسط وترويج هذه المدرسة.
ضرورة الدقة في المفردات وتجنب تكثير المدارس
النقطة التي يجب النظر إليها بحذر هي كيفية استخدام وصف «مدرسة» لغيره من العظماء والشهداء الأعزاء. لقد كان لدينا في عصرنا أبطال ومفكرون كبار أصحاب أفكار جديدة واستراتيجية؛ لكن لا ينبغي تكثير مصطلح «المدرسة». إن المدرسة الشاخص (النموذجية) لهذا العصر هي مدرسة الإمام الشهيد، والآخرون من الأعزاء والشهداء الكرام هم في الواقع وجوه رائدة ومعززة تُعرف تحت لواء هذه المدرسة؛ لقد قاموا بتوسيع هذا الإطار الكلي أو تطبيقه في ساحة العمل. إن معرفة وتعريف هذا الإطار الفكري الواحد سيكون أكثر نفعاً وفتحاً للطرق.
كلمة ختامية
أؤكد أن الحركة ضمن هذا الإطار لا تعني التوقف عند أفكار الماضي. هذا «مشروع كلي» يجب علينا إكماله، وتطويره، وحتى الدفع به للأمام عبر النقد العلمي؛ لأن طريق التقدم والنماء يكمن في هذا تضارب الآراء والحركة نحو الأمام، وهو ما علّمنا إياه ذلك العظيم بنفسه.
إن شاء الله نكون سائرين بصدق على نهج ذلك الإمام الشهيد.
المصدر: أسبوعیة «أفق حوزه»
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




