هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

الحوزة والمجتمع: نحو استراتيجية تكاملية

مقال

الحوزة والمجتمع: نحو استراتيجية تكاملية

تأملات موسعة في ضرورة تعزيز الارتباط بين الحوزات العلمية والاحتياجات الحقيقية للأمة  (استلهاماً من المنهج التبليغي للشهيد آية الله مطهري بمناسبة ذکری استشهاده)

الکاتب: رئیس التحریر

 المقدمة: الحوزة العلمية كحصن استراتيجي للأمة
إن الحوزة العلمية الشيعية، وفي القلب منها حوزة النجف الأشرف التي أسس قواعدها شيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) وحاضرة كربلاء المقدسة بعبقها الحسيني، لم تكن في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي مجرد جدران وأروقة لتلقين الدروس وحفظ المتون؛ بل كانت وما زالت تمثل الحصن المنيع والقلعة النابضة التي تحفظ الهوية الإسلامية الشيعية، وتصون تراث أهل البيت (عليهم السلام). إنها الخزانة المعرفية والمنار الذي تستضيء به الأمة في أحلك الظروف لتصحيح مساراتها الفكرية والعقائدية والأخلاقية.
اليوم، وفي ظل المتغيرات المتسارعة، لا تُعد الدعوة إلى تعزيز الارتباط العضوي بين الحوزة والمجتمع خروجاً عن المألوف أو نقداً للمسار التقليدي الأصيل الذي خطه السلف الصالح، بل هي في حقيقتها "تفعيل" و"امتداد طبيعي" لرسالة الأنبياء والأئمة. إذ يتوجب على الحوزة، بمراجعها وعلمائها وفضلائها، أن تحافظ على رصانتها العلمية وعمقها الاستدلالي، وفي الوقت عينه تمد جسور المعرفة الدينية لتلامس الواقع المعيشي للأمة، وتخاطب الناس بلسان زمانهم.
 المحور الأول: رسالة الحوزة.. آفاق ما بعد حفظ التراث
إن الوظيفة الأولى للحوزة العلمية هي التفقه في الدين، ويجب أن تبقى المعين الصافي للتبحر في العلوم الدينية الأصيلة من فقه وأصول وعلم رجال وتفسير وفلسفة وكلام. غير أن رسالتها الكبرى تتجاوز حدود "الحفظ" والتدوين في بطون الكتب، لتصل إلى "التبليغ" وصناعة الإنسان. إن التراث العظيم الذي بين أيدينا يحتاج إلى عقول قادرة على استنطاقه وإعادة صياغته بلغة عصرية واضحة، ميسرة، قادرة على محاكاة عقول مختلف شرائح المجتمع بدءاً من النخب المثقفة وصولاً إلى عامة الناس. إن مصداق الآية الكريمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ يتجلى اليوم في قدرة المؤسسة الدينية على ابتكار أدوات خطابية جديدة لا تخل بالجوهر ولكنها تطور الشكل ليكون أكثر جاذبية وتأثيراً.
 المحور الثاني: هندسة شخصية العالِم.. المتجذر في تراثه والعارف بزمانه
إن الأمة الإسلامية والمجتمع العراقي بشكل خاص، يعيشان اليوم تعقيدات لا نظير لها، مما يجعل الحاجة ماسة إلى "العالِم الرباني" الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة. هذا العالِم يُشترط فيه شقان:
الأول (الأصالة): أن يكون ذا جذور راسخة ومبانٍ رصينة، قد استفرغ وسعه في دراسة الفقه والأصول وبقية المقدمات، فلا تهزه الشبهات لمتانة أساسه العلمي.
الثاني (المعاصرة): أن يجسد المضمون العميق للحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام): «العالِمُ بِزَمانِهِ لا تَهجُمُ عَلَيهِ اللَّوابِسُ». وهذا يعني إلمامه العميق بالتحولات الاجتماعية، والتيارات الفكرية، والمدارس الفلسفية الحديثة، وعلم الاجتماع وعلم النفس، ليكون واعياً بحركة التاريخ والمجتمع، وقادراً على تقديم العلاج الناجع للأمراض الفكرية الحديثة بدلاً من تقديم إجابات تقليدية لأسئلة لم تعد تُطرح.
 المحور الثالث: تحديات العصر.. ومخاطر الفراغ التبليغي
يواجه المجتمع الحديث، والشباب العراقي على وجه الخصوص، إعصاراً من التساؤلات والشبهات التي تضرب صميم بنائهم الفكري والروحي. ومن أبرز هذه التحديات:
1. أزمات الهوية والانتماء: في ظل العولمة والانفتاح الفضائي، يواجه الشاب تحدياً في الحفاظ على هويته الدينية والوطنية أمام طوفان الثقافات الوافدة.
2. ثنائية الدين والحداثة: الترويج المستمر لفكرة تعارض الدين مع العلم والتقدم، ومحاولة حصر الدين في زاوية الطقوس الشخصية بعيداً عن إدارة شؤون الحياة.
3. تفكك المنظومة الأسرية: ما تتعرض له الأسرة من استهداف ممنهج عبر الترويج لأنماط حياة غريبة تؤدي إلى ارتفاع نسب الطلاق وتشويه مفهوم الزواج والتربية.
4. الفضاء الرقمي ووسائل التواصل: التي باتت المصدر الأول لتلقي المعلومة، مما أدى إلى تسطيح العقول، ونشر الإشاعات، وإضعاف القيم الأخلاقية، وتسهيل ترويج الشبهات العقائدية.
5. إشكالية العدالة الاجتماعية: تساؤلات الشباب حول دور الدين في مكافحة الفساد، وتحقيق العدالة، والدفاع عن حقوق المحرومين.
إن تقوقع بعض النخب الحوزوية وابتعادهم عن هذه المسائل الميدانية الحساسة، سيترك لا محالة فراغاً مهولاً؛ وكما هو معلوم فإن الفراغ لا يبقى فارغاً، بل ستتسابق التيارات المنحرفة والأفكار السطحية أو الإلحادية لملئه. من هنا، تتأكد ضرورة انتقال الحوزة من حالة "الدفاع بردود الأفعال" إلى "المبادرة بصناعة الوعي" وتفعيل لغة التبيين والحوار المباشر والمفتوح مع جيل الشباب في الجامعات والمدارس والمنتديات.
 المحور الرابع: منهج الشهيد مطهري.. الاقتداء المنهجي لا الاستنساخ الشكلي
عندما نبحث عن نماذج ناجحة في هذا المضمار، يبرز اسم الشهيد آية الله مرتضى مطهري (قدس سره) كأحد أهم رواد الجمع بين "العمق الحوزوي الرصين" و"التواصل المجتمعي الفعال". لقد استطاع الشهيد مطهري أن ينزل من برج النخبوية الفلسفية والفقهية إلى أوساط الطلبة والشباب، ليكتب في الصحف والمجلات، ويلقي المحاضرات في الجامعات والمؤسسات غير الدينية، متناولاً قضايا المرأة، والعدل الإلهي، والقصص القرآنية، بأسلوب عقلي ومنطقي يلامس القلوب والعقول.
إن طرح هذا الأنموذج في أروقة الحوزة النجفية والكربلائية ليس دعوة للتقليد الأعمى، أو استنساخ التجربة الإيرانية بحذافيرها ضمن قوالب جامدة قد لا تتناسب مع البيئة العراقية؛ بل هو دعوة لـ "استلهام الروح الحوارية"، واكتساب الشجاعة الفكرية في النزول إلى ساحة المواجهة العقائدية. الحوزة في العراق تمتلك طاقات هائلة وعقولاً جبارة (كما تجلى ذلك في منهج الشهيد السيد محمد باقر الصدر وغيره من الأعلام)، وما يُطلب اليوم هو تكييف هذه المنهجية التبليغية لتتناسب مع طبيعة وظروف الساحة العراقية، بخصائصها العشائرية والأكاديمية والاجتماعية.
 الخاتمة: نحو رؤية مستقبلية متجددة
في الختام، يجب أن نؤمن إيماناً راسخاً بأن مستقبل الحوزات العلمية، وضمان استمراريتها في الدفاع عن حياض الشريعة والدين، لا يتحققان فقط بالتغني بالماضي والاعتزاز التراثي بالمنجزات العظيمة للأسلاف (رضوان الله عليهم أجمعين). بل إن الضمانة الحقيقية تكمن في تحمل المسؤولية التاريخية تجاه الحاضر والمستقبل.
إن اقتراب الحوزة من هموم الناس، وملامستها لجراحهم، وتقديمها الحلول الفكرية والروحية لأزماتهم، هو الذي يمنحها شرعيتها الاجتماعية وتأثيرها الروحي. يجب أن يرى الشاب العراقي في عالِم الدين أباً روحياً، وطبيباً دواراً بطبه، ومفكراً يمتلك مفاتيح العصر، لا مجرد شخصية تاريخية منفصلة عن واقعه. بهذه الروح المتوثبة، والهمة العالية، ستبقى الحوزة العلمية المرجعية الرائدة والأم الرؤوم التي تحتضن الأمة وتقودها نحو بر الأمان في خضم أمواج الفتن المتلاطمة.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه