مقالة
السيد بن طاووس: الفقيه الشهير في عصر الغيبة الكبرى
يصادف الخامس من ذي القعدة ذكرى رحيل رجل عظيم من ديار الفقه ونجم ساطع في سماء المعرفة والعبودية، عالمٌ خلّد اسمه الطيب في التاريخ المشرّف لعلماء الشيعة بعلمه وأدبه وأخلاقه وعبادته.
ولد علي بن موسى بن جعفر، المعروف بـ "ابن طاووس"، عام 589 هـ في مدينة الحلة، مهبط العلماء وحاضنة العلم، واستفاد كثيراً من محضر والده المكرم. وكما يقول هو نفسه: كان لوالده وكذلك لجده "ورّام" التأثير الأكبر عليه في سنوات نشأته، حيث علّماه الفضيلة والتقوى والتواضع. خلال حياته النورانية، نهل ابن طاووس من معين علماء مثل: أبو الحسن علي بن يحيى الخياط الحلي، حسين بن أحمد السوراوي، تاج الدين حسن بن علي الدربي، نجيب الدين محمد السوراوي، شمس الدين فخار بن محمد، ومحمد بن فخار الموسوي. وقد عُرف ابن طاووس في الأجيال اللاحقة بـ "صاحب الكرامات". وهو ينقل بنفسه حوادث معجزة وقعت له، كما وردت تقارير تفيد بأنه كان على اتصال مباشر مع الإمام المهدي(عج).
كانت سرعته في تعلم المطالب العلمية الدقيقة مذهلة. فما كان يتعلمه الآخرون في سنوات، تعلمه هو في سنة واحدة. وبعد قراءته للجزء الأول من كتاب "النهاية" للشيخ الطوسي، حقق تقدماً كبيراً لدرجة أن "ابن نما" كتب له إجازة بخطه على ظهر المجلد الأول من "النهاية". وهكذا، بعد عامين ونصف من دراسة الفقه، استغنى عن الأستاذ، ومنذ ذلك الحين لم يحضر مجالس الأساتذة إلا لرواية الحديث.
الهروب من المرجعية
عندما بلغ رضي الدين السيد علي السيد بن طاووس القمة الشامخة في الفقه، طلب منه أساتذة الحلة أن يسلك طريق العلماء السالفين ويجلس في منصب الفتوى لتعريف الناس بالحلال والحرام الإلهي، ولكنه لم يستطع الاستجابة لهذا العرض.
حكايات
سماع دعاء الإمام المهدي(عج)
كان السيد يسرع إلى مراقد المعصومين في مختلف المناسبات. وفي هذه الزيارات كان يتوصل إلى حقائق يستحيل على الكثير من الناس حتى تصورها. يروي فقيه الحلة في كتابه "مهج الدعوات" ذكرى من رحلته إلى سامراء قائلاً:
«كنت في سامراء ليلة الأربعاء الثالث عشر من ذي القعدة عام 638 هـ. في وقت السَّحَر، سمعت صوت الإمام المعصوم الأخير، حضرة بقية الله(عج)، وهو يدعو لأوليائه ويقول: ... يا رب! أعدهم إلى الحياة في أيام عزّنا وسلطاننا وغلبتنا ودولتنا.»
في سرداب سامراء
وفي سَحَرٍ آخر في سرداب سامراء، سمع السيد صوت مولاه يدعو لأتباعه ويناجي ربه قائلاً:
«يا رب! إن شيعتنا خُلقوا من شعاع نورنا وبقية طينتنا، وقد ارتكبوا ذنوباً كثيرة اعتماداً على حبنا وولايتنا. فإذا كانت ذنوبهم قد أحدثت فجوة بينك وبينهم، فأصلح بينهم واجبر ذنوبهم من خمسنا. يا رب! أبعدهم عن النار، وأسكنهم الجنة، ولا تلقهم في غضبك وعذابك مع أعدائنا.»
عرض الوزارة
في عهد المستنصر، عُرضت الوزارة على رضي الدين. وكعادته، رفض السيد قبول العرض، لكن الخليفة أصر على طلبه. فرفض السيد العرض موضحاً طبيعة الحكم والفكر العلوي ووجود الحاسدين في البلاط، وقال: «لا شك أن في هذا العمل نوعاً من الانتقاد واللوم لآبائك الذين كانوا الخلفاء السابقين. بهذا العمل، ستضطر إلى السعي لهلاكي، وستهلكني بذرائع واهية. إذا كان مصيري سينتهي بالهلاك بسبب اتهام ملفق، فبما أنني الآن بين يديك، وقبل أن أرتكب ذنباً في الظاهر، افعل ما شئت، فأنت ملك مقتدر ولك السلطة.»
ورغم أن هذا الكلام المنطقي منع الخليفة من مزيد من الإصرار، إلا أن السيد فقد القدرة على البقاء في أرض الفخاخ الشيطانية. لذلك، وبعد خمسة عشر عاماً، غادر العاصمة وتوجه نحو مسقط رأسه.
دروب الوصال
وصل رضي الدين إلى الحلة عام 641 هـ وبعد فترة وجيزة من استقراره، وفي يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الآخرة من نفس العام، ذهب مع صديقه الورع السيد محمد بن محمد الآوي لزيارة أمير المؤمنين علي(ع).
رسالة من الجحيم
كان عالم الحلة العارف يتهرب من مجالسة الحكام، ولم يكن يصغي أبداً لنصائح الأصدقاء الجاهلين في هذا الصدد. في يوم من الأيام، قال له أحد فقهاء عصره: «إن أئمتنا شاركوا في مجالس الخلفاء واختلطوا بهم، لذا فإن دخولنا إلى مجالسهم لا يمكن أن يكون مضراً.»
فأجاب السيد: «كان أئمتنا يحضرون مجالسهم وقلوبهم معرضة عن الحكام أصحاب الشهوات، ولكن هل ترى نفسك كذلك؟ خاصة عندما يلبون حاجتك ويجعلونك من المقربين إليهم ويحسنون إليك، هل يمكنك أن تخلي قلبك من حبهم؟»
فقال الفقيه: «لا، أنت على حق، إن حضور الضعفاء عند الأقوياء لا يكون أبداً كحضور أهل الكمال.»
في الحلة، طلب أحد الحكام في رسالة من ذلك الفقيه الجليل أن يزوره في منزله. فكتب السيد في رده: «هل بُني شيء في القصر الذي تعيش فيه لله حتى أحضره، أو أجلس فيه، أو أنظر إليه؟ اعلم! أن ما كان يدفعني في أيام عمري الأولى للقاء الحكام هو الاعتماد على الاستخارة، ولكن الآن، وبفضل الله، اطلعت على أسرار وأعلم أن الاستخارة في مثل هذه الموارد بعيدة عن الحق والصواب.»
التلامذة
استفاد الكثير من علماء الحلة والمدن العراقية الأخرى من المحضر النوراني للباحث الفريد في عصره أبو القاسم رضي الدين علي بن موسى. ومن بين هذا الجمع التقي، يمكن ذكر الأسماء التالية كوجوه بارزة في الأوساط العلمية للسيد:
1- الشيخ سديد الدين يوسف علي بن المطهر (والد العلامة الحلي) 2- جمال الدين حسن بن يوسف، المشهور بالعلامة الحلي 3- الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي 4- الشيخ تقي الدين حسن بن داود الحلي 5- الشيخ محمد بن أحمد بن صالح القسيني 6- الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد القسيني 7- الشيخ جعفر بن محمد بن أحمد القسيني 8- الشيخ علي بن محمد بن أحمد القسيني 9- السيد غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاووس (نجله الأكبر) 10- السيد أحمد بن محمد العلوي 11- السيد نجم الدين محمد بن الموسوي 12- الشيخ محمد بن بشير 13- صفي الدين محمد (نجل السيد) 14- رضي الدين محمد (نجل السيد الآخر).
التراث الخالد
ترك السيد مؤلفات عديدة، نذكر منها:
الأنوار الباهرة في انتصار العترة الطاهرة، الأسرار المودعة في ساعات الليل والنهار، أسرار الصلوات وأنوار الدعوات، البهجة لثمرات المهجة، فلاح السائل ونجاح المسائل في عمل اليوم والليلة، فرج المهموم في معرفة نهج الحلال والحرام من علم النجوم، فرحة الناظر وبهجة الخواطر، الإقبال بالأعمال الحسنة، جمال الأسبوع في كمال العمل المشروع، كشف المحجة لثمرة المهجة، اللهوف على قتلى الطفوف، كتاب المزار، مصباح الزائر وجناح المسافر، مهج الدعوات ومنهج العنايات، محاسبة النفس، ربيع الألباب، روح الأسرار وروح الأسمار، الطرائف في مذاهب الطوائف، اليقين في اختصاص مولانا علي بإمرة المؤمنين.
السيد في كلام الآخرين
الإمام الخميني(قد)
«استأنس بكلمات أئمة الهدى(ع) وكلمات كبار العلماء فإن فيها بركات. لنفترض أنك لا تعرف أحداً من العرفاء العظماء، فاتبع من كبار علماء المعرفة والأخلاق من هم محل إجماع بين جميع العلماء؛ مثل العارف بالله والمجاهد في سبيل الله مولانا السيد بن طاووس(رض)؛ ومثل مولانا العارف بالله والسالك إلى الله الشيخ الجليل البهائي(قد)؛ وشيخ أرباب المعرفة مولانا محمد تقي المجلسي(رض)؛ وشيخ المحدثين نجله المكرم مولانا المجلسي(ره). طالع كتاب "شرح الفقيه" لمولانا المجلسي الأول، وهو من الكتب النفيسة جليلة القدر باللغة الفارسية، وإن لم تفهم فاسأل أهله فإن فيه كنوزاً من المعرفة.»
قائد الثورة الإسلامية آیة الله الخامنئي
«هذا المقتل (لهوف السيد بن طاووس) مقتل معتبر جداً. هذا السيد بن طاووس - وهو علي بن طاووس - فقيه، وعارف، وعظيم، وصدوق، وموثق، ومحترم من قبل الجميع. هو أستاذ لفقهاء كبار جداً؛ وهو نفسه أديب وشاعر وشخصية بارزة. لقد كتب أول مقتل معتبر جداً وموجز. طبعاً، هناك مقاتل كثيرة قبله... عندما ظهر "اللهوف"، تراجعت جميع تلك المقاتل تقريباً. هذا المقتل جيد جداً لأن عباراته مختارة بشكل جيد ودقيق وموجز....»
الميرزا جواد آقا ملكي تبريزي
عبّر العارف الفاضل الميرزا جواد ملكي تبريزي عن السيد بن طاووس بـ "سيد المراقبين"، وفي موضع آخر يقول: «... هو شخص كان شيخي(قد) يقول عنه: لم يأت في هذه الأمة من طبقة الرعية مِثل ابن طاووس في علم المراقبة.»
العلامة الطباطبائي
كان صاحب تفسير الميزان يولي أهمية كبيرة في المنهج العرفاني لشخصين من كبار الإمامية: أحدهما السيد علي بن طاووس(رض) وكذلك كتابه الشهير الموسوم بـ "الإقبال" المشحون بأسرار أهل البيت(ع)، والآخر السيد بحر العلوم، وكلاهما تشرّفا بلقاء ولي العصر - أرواحنا له الفداء - بحسب الحكايات المتواترة...
كان المرحوم العلامة الحاج السيد محمد حسين الطباطبائي يعتبر المرحوم السيد بحر العلوم، وابن فهد صاحب "عدة الداعي"، والسيد ابن طاووس صاحب "الإقبال" من الكُمَّل، وكان يقول: إن هؤلاء كانوا كاملين.
آية الله الشيخ جعفر الشوشتري
يقول عن ابن طاووس: «... واعلم أنه ليس لدينا أصدق وأوثق منه في نقل المراثي. قليلون هم أمثاله في جلالة القدر.»
الشيخ عباس القمي
وصف المرحوم الشيخ عباس القمي السيد في "الفوائد المدنية" قائلاً: «السيد رضي الدين أبو القاسم الأجل الأورع الأزهد الأسعد، قدوة العارفين ومصباح المتهجدين، صاحب الكرامات الباهرة والمناقب الفاخرة؛ طاووس آل طاووس، السيد بن طاووس(قد) ورفع في الملأ الأعلى ذكره.. يعني أن أمر هذا الرجل العظيم في الزهد والعبادة والدعاء والفقه والوثاقة والجلالة والورع أشهر من أن يُذكر و......»
الأيام الأخيرة
في حوالي عام 640 هـ، وضع السيد خطة جديدة لحياته، وفكر أنه يجب أن يعتزل جميع الناس لكي تهطل عليه العنايات الخاصة. فاستخار الله وتوجه مع عائلته إلى النجف، وأقام في جوار علي(ع) في النجف الأشرف من عام 645 إلى 648 هـ.
بنى ذلك الرجل العظيم ضريحاً لنفسه في النجف. وفي الأيام الأخيرة من عام 648 هـ، سلك طريق كربلاء. وعاش ثلاث سنوات أيضاً مجاوراً للإمام الحسين(ع). ثم توجه إلى سامراء ليكون أول من يسكن مع عائلته في هذه المدن الثلاث، وبذلك يُعد من الجيران الرسميين للمعصومين في تلك الديار.
كان السيد يقضي معظم وقته في الخلوة، ولم يكن يفكر في شيء سوى العبادة وإرشاد المراجعين ومساعدة المحتاجين. في عام 655 هـ، هاجم جيش المغول العراق وحاصر بغداد.
الفتوى التي أنقذت أرواح آلاف المؤمنين
أعلن رضي الدين، الذي كان يفكر في راحة المؤمنين، عن استعداده للتفاوض مع المغول بشأن السلام، لكن الخليفة رفض. وأخيراً حل يوم 28 محرم واقتحم المغول المدينة. في تلك الليلة استشهد شرف الدين أبو الفضل محمد، الأخ المكرم لرضي الدين أيضاً.
أمر هولاكو خان المغولي بجمع علماء المدينة في المدرسة المستنصرية للحكم في مسألة: «أيهما أفضل: الحاكم الكافر العادل أم المسلم الظالم؟». نهض رضي الدين وأيد أفضلية الحاكم الكافر العادل. وتبعه الفقهاء الآخرون في تأييد هذا الحكم.
استدعى الحاكم المغولي السيد في العاشر من صفر عام 656 هـ وأصدر كتاب أمان له ولأصحابه. قام السيد، الذي كان يبحث عن طريقة لإخراج المؤمنين من العاصمة، بجمع ألف شخص وأوصلهم إلى الحلة بحماية جنود هولاكو خان وعاد بنفسه إلى العاصمة في أول فرصة. لعلّه ينقذ مؤمناً من ألم أو يخلص بريئاً من عقاب.
في هذا الوقت، طلب هولاكو منه قبول منصب نقابة العلويين. رضي الدين، الذي رفض هذا العرض في البداية، اضطر لقبوله بعد سماعه عواقب رفض طلب هولاكو خان من لسان الخواجة نصير الدين الطوسي، وأقام مراسم خاصة لمبايعة العلويين. بعد ذلك بثلاث سنوات، ألقى المرض بظلاله على جسد سيد فقهاء العراق، وأخيراً في صباح يوم الاثنين من عام 664 هـ حلّقت روحه الإلهية إلى السماء.
المصدر: موقع حوزة للإعلام
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




