بمناسبة ذکری استشهاد العلامة الشهید مرتضی مطهري(ره)
فلسفة للأطفال: دعوة لتبسيط فكر الشهيد مطهري وبناء حصانة فكرية للأجيال
شمل الله المرحوم الشيخ مطهري رضوان الله عليه برحمته. ما أفضل من أن يكون التعليم تراثكم؟ لقد كان معلماً بحق. بمعنى أن تعليمه لم يقتصر على حدود الصف. لقد كان بحق معلماً لعامة المجتمع وله بذلك حق كبير على الجميع. عسى أن تكون الروح الطاهرة لذلك الشهيد العزيز راضية عنكم جميعاً..
نشكر الله على أن اسم الشيخ مطهري لم يُنس في مجتمعنا وفي المناخ الذهني لبلادنا، إنما راح يبرز ويتنامى يوماً بعد يوم. النَسْخُ طبيعةُ كثير من ظواهر العالم، فهي تبلى وتخلق كلما مر عليها الزمن. هكذا هي معظم ظواهر العالم. وبعض الظواهر لا تبلى مع مرور الوقت أبداً، بل على العكس تتألق وتبرز وتسطع وتؤثر أكثر فأكثر. هكذا هي عادة الظواهر المرتكزة إلى الحقيقة. كتاب الله المظهر التام لهذه السمة إذ يزداد جلاءً كلما مضى عليه الزمن. كلمات الأئمة(ع) وكلمات الرسول وربما المفاهيم المنقولة عن أولئك الأجلاء لم تفهم بشكل صحيح في العهود الأولى، ثم عرف الناس قدرها في فترات لاحقة: »رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه«. قد يحمل الإنسان فقهاً وفهماً للدين فيلقيه ويودعه عند من هو أفقه منه وأوعى. قد تكون هناك رواية يعرفها شخص واحد فيجريها على لسانه في محفل يكون فيه بين المستمعين شخص على مستوى من المعرفة يؤهله لأن يفهم من تلك الرواية نقطةً لم يفهمها القائل نفسه. حامل الفقه هذا يوصل الفقه إلى ذلك المستمع، بيد أن المستمع أفقه منه ويفهم المنقول بصورة أفضل.
كلمات العظماء والأئمة(ع) من هذا القبيل. وأشعر بوضوح أن أفكار المرحوم آية الله الشهيد مطهري أيضاً من هذا القبيل والحمد لله. أي كان لهذه الكلمات يوم ألقيت على مجموعة من الناس وقع وقيمة، ولكن حتى تلك المجموعة المحدودة - التي لم تكن كبيرة جداً قياساً إلى سكان إيران الكثير - لم تدرك عمق وأهمية هذه البحوث بالشكل الذي حصل لاحقاً وفي يومنا هذا. مثلاً، أثار حول أسباب الميل إلى المادية، وفي معنى القضاء والقدر، وحول الكثير من مفاهيم الكلام الإسلامي الجديد آراءً حينما ننظر لبيئتنا الاجتماعية اليوم نرى أنها تمثل إجابات للأسئلة المطروحة حالياً. ربما لم تكن بعض هذه الأسئلة شائعة يوم طرحها كما هي الآن، لكنه بفكره العميق ونظرته الحاذقة البعيدة استوعب هذه الاستفهامات وأجاب عنها بنحو وافٍ. ولولا هذه النقطة الثانية أي الإجابة عن تلك الأسئلة بنحو وافٍ ربما كانت إثارة الأسئلة والمبادرة للإجابة عنها ممارسة سلبية ضارة. أحياناً يطرح البعض سؤالاً ويجيبون عنه بشكل ناقص فيوجهون ضربة للحقيقة. غير أن هذا المفكر العميق لم يخض في مسألة دون أن يشرحها ويبيّنها بشكل وافٍ. طبعاً هناك مسائل غير موجودة في كتبه المطبوعة، وقد نراها في أعماله المستقبلية حين تطبع. النقطة التي أكدت عليها دوماً بخصوص الشيخ مطهري هو إبداعه وتجديده وكلامه وأفكاره غير المسبوقة. والواقع أن آثاره تستحق أن تبقى وتتجلى يوماً بعد يوم. ولهذا، ينبغي أن نشكر ذويه المحترمين الذين أدركوا جيداً قدر عظمته المعنوية والفكرية وصانوها وحفظوها. وبتعبير آخر لم يعطوها رخيصة بيد هذا وذاك فحفظوا مكانة الشيخ مطهري وحيثيته. أنا سعيد جداً لأني أرى أقرباءه وتلامذته استطاعوا والحمد لله حفظ تلك المكانة والمنـزلة المعنوية التي التزم بها الشيخ مطهري أشد الالتزام...
النقطة الثانية التي اقترحتها على أولئك الأصدقاء هي أني قلت لهم: عملية التبسيط في العالم وصلت اليوم إلى درجة كتابة الفلسفة للأطفال. ثمة في العالم اليوم مؤسسات تضع كتباً في الفلسفة للأطفال. قد يتساءل الإنسان وما الذي يمكن لطفل في الأول أو الثاني ابتدائي أن يفهمه من الفلسفة؟! هذا هو التصور الأولي وهو ليس تصوراً صائباً بالضرورة. نعم، حتى الطفل الصغير بوسعه أن يفهم شيئاً من الفلسفة ويتخذ ذهنه شكلاً فلسفياً! أوجدوا هذا الشكل العام بفضل الأدوات، حتى لا يتم هذا الشكل إذا حلَّ جزء محل جزء آخر. كألعاب البازل التي يلعبها البعض. إذا وضع شيء مكان شيء آخر فلن يكتمل الشكل. على المرء أن يكون دقيقاً ويعرف هذه الأجزاء بحيث يستطيع انتزاع هذا الشكل العام من مجموعة الأجزاء. ينبغي أن تكون هذه الحالة قوية في هذه المجموعة إلى درجة تخولهم تشخيص هذا الشكل العام في آثار المرحوم مطهري وإيجاده. هذه عملية جد قيمة أعتقد أنها يجب أن تولى الاهتمام اللازم. طبعاً قد لا تتأتى النتيجة خلال سنة أو سنتين، ولكن إذا اجتمع عدد من أصحاب الفكر المتمكنين من آثار الشيخ مطهري - خصوصاً إذا كانوا شباباً متوثبين - فسيستطيعون بالتأكيد النهوض بهذه المهمة. هذا اقتراح وطلب ذكرته للسادة في اللجنة. ولا أدري هل سيستطيعون متابعته أم لا؟ لكنه على كل حال أمر مشروط بأن تستطيعوا تبسيط الفكرة الفلسفية لتغدو في مستوى ذهنية الأطفال. لو أردنا طرح الفلسفة على شاب يدرس في الثانوية فقد نطرحها بشكل سيئ وغير ناضج بحيث يخرج ذلك الشاب بانطباع سلبي عن الفلسفة. الشيء المطروح الآن صحيح - ليس خطأً إطلاقاً وقد رأيت ذلك - لكنه لا يناسب فكر الإنسان الشاب. علينا إعداد الفلسفة بحيث يفهمها الطالب الجامعي وطالب الثانوية وحتى الطفل. إنها المفاهيم ذاتها ولكن بمستوى مبسط ومصغّر، تماماً كالقرآن الكريم. مفاهيم القرآن الكريم سامقة جداً، ينـزلها الله تعالى على قدر قلب الرسول، فيدركها قلب الرسول لتدركها بعد ذلك فهوم البشر على قدر استيعابها. الشيء الذي في عالم الجبروت واللاهوت غير الشيء الذي يأتي إلى العالم المادي ويقذف في ذهن الإنسان. إنه شيء يتنـزل ونستطيع بموازاة ذلك تنـزيل المسائل وإيصالها إلى الأذهان. فتعالوا وطبقوا هذا على أعمال الشيخ مطهري. العملية طبعاً عملية تخصصية. ينبغي اكتساب العلم الخاص بهذه العملية من الضالعين فيه. إذا استطعتم تبديل كتاب »الدوافع نحو المادية« وهو كتاب فلسفي متوسط أو شبه فلسفي وضع لمن هم في مراتب فكرية عالية، إذا استطعتم تبديله إلى كتاب يفهمه الشاب اليافع فإنه لن يميل إلى النـزعات المادية. إنها في الحقيقة عملية تلقيح ضد المادية.
طيب، إذا حصلت هذه الحالة عند طفل أو فتاة أو صبي يافع فانظروا كم سيكون هذا الأمر مهماً! إذا خرجت إنجازاتكم جيدة فستستطيعون نثر بذور الهداية في أذهان الآلاف من الناس. أو بخصوص كتاب «الإنسان والمصير» مثلاً؛ لاحظوا كم من الأحاديث تطرح في القصص العامية، وقصص الأطفال، والأمثال، والحوارات بين الآباء والأمهات والأطفال والأجداد مما يمكن أن يرسم في الأذهان تصورات خاصة حول القضاء والقدر! كأن يقال: «هذا هو المقسوم على كل حال؛ ما بوسعنا أن نفعل» الكلام اليومي الدارج يرسم صورة للقضاء والقدر في ذهن الطفل. الطفل لم يسمع بشيء بعد عن القضاء والقدر ولا يعلم الفرق بينهما، ولا يدري ما هو دور القضاء والقدر في الخلقة أساساً، لكنه يشعر به عبر تصوره لعبارة: «هذا هو المقسوم» التي نجريها على ألسنتنا. فإذا استطعتم التعبير عن مفهوم القضاء والقدر كما يفهمه الشيخ مطهري بلغة يدركها الطفل - على شكل قصة أو حديث عادي - فانظروا كم سيكون لعملكم من قيمة! إنكم في الواقع تعدون ذهنه لتلقي المعارف الحقة. ولن يمكن زعزعة هذا الذهن في وقت لاحق، فلا تؤثر فيه عمليات التضليل والإضلال. هذه العملية مهمة إلى هذا الحد. أعتقد أن بالمقدور القيام بهذه العملية فيما يتصل بكثير من الكتب والأفكار، بيد أن مجموعة آثار الشيخ مطهري اليوم من المجاميع الجديرة جداً بهذا المعنى والقمينة بأن ترصد لها مثل هذه الجهود.
من كلمة لسماحة آیة الله العظمی الخامنئي(قد) في لقاء عائلة الشهيد مطهري (21/4/2000م):
المصدر: دار الولاية للثقافة والاعلام
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




