هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

كيف يسرق الجبار السمك أمام الجميع؟قراءة فلسفية في صناعة الطغيان من الصمت

قبس من نور

كيف يسرق الجبار السمك أمام الجميع؟قراءة فلسفية في صناعة الطغيان من الصمت

مقدمة:‏
الطغيان لا يبدأ حين يصرخ الجبار: "هذا لي"، بل حين يصمت الجميع وهو يمدّ يده. فليست المشكلة في فعل السطو ذاته، بل في تحوّله إلى مشهدٍ عادي، وفي ‏تحوّل الخوف إلى نظامٍ غير مكتوب، والسكوت إلى سلوكٍ مبرَّر.‏
قد تبدو الحكاية بسيطة؛ مشهد من رسومٍ متحركة يُشاهَد عرضًا، لا يتجاوز التسلية. صيادون فقراء تعاونوا، صنعوا قاربًا صغيرًا، فأصابوا رزقهم. لكن فرحتهم ‏لم تدم؛ إذ ظهر متسلّط صادر كل ما في أيديهم بكلمة واحدة: "البحيرة لي، والسمك لي". لم يحتج إلى سلاح ولا إلى حُجّة، بل إلى واقعٍ اعتاد أن لا يُواجَه.‏
هنا لا يعود السؤال: كيف سُرق السمك؟ بل: كيف صار من الطبيعي أن يُسرق دون سؤال: بأي حق؟
الطغيان ليس صدفة
القرآن الكريم لا يعرض الطغيان كحادثة فردية طارئة، بل كمسارٍ اجتماعي له شروطه. حين يتحدث عن فرعون، يكشف بنيته لا مجرد سلوكه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ ‏عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.‏
فالعلوّ هنا منظومة: تفريق، إضعاف، وتعويد على القبول. الطغيان لا يولد دفعة واحدة، بل ينمو حين تُفكَّك المجتمعات أخلاقيًا قبل أن تُقهَر سياسيًا. ولهذا ‏قال أمير المؤمنين عليه السلام: "ما ترك لي الحقُّ من صديق"، فالحق ثقيل، والصمت أقل كلفة، لكنه أخطر ثمنًا.‏
القوة حين تنفصل عن الأخلاق
في الفلسفة الإسلامية، القوة ليست شرًا بذاتها، لكنها تتحول إلى طغيان حين تنفصل عن الضابط الأخلاقي. فهي أمانة لا ملكية. وحين تُنزَع المحاسبة، تتحول ‏السلطة من خدمةٍ إلى سيطرة.‏
يقول الإمام علي عليه السلام: "من نصب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره". فالقيادة تكليف لا امتياز، وأي سلطة لا تبدأ بتهذيب الذات ‏تنتهي إلى الاستبداد، وحين تصبح القوة غاية بذاتها، تُختزل الحقيقة في ميزان الغلبة.‏
 
الصمت الاجتماعي: الشريك الخفي
الطاغية لا يقف وحده؛ ما يمنحه الاستمرار هو اعتياد الناس على الخضوع، وتطبيعهم مع الظلم الصغير قبل الكبير. الأخطر ليس الظلم، بل تحوّله إلى "أمر ‏واقع".‏
يعبّر الإمام الحسين(ع) عن ذلك بقوله: "إن الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم". فالسكوت ليس دائمًا خوفًا، بل أحيانًا مصلحة، وحين ‏تتحول المصلحة إلى مبرر أخلاقي، يصبح الظلم مقبولًا ما دام لا يطرق الأبواب مباشرة.‏
بين القدر والاختيار
من أخطر أدوات الطغيان تبريره بالقدر، وتحويله من جريمة بشرية إلى مصيرٍ لا يُردّ. غير أن القرآن يهدم هذا الوهم صراحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا ‏مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.‏
فالطغيان ليس قضاءً أعمى، بل نتيجة تراكمية لاختيارات صغيرة: صمت هنا، وتنازل هناك، حتى يصل الجبار إلى لحظة يظن فيها أن ما اغتصبه صار حقًا ‏مكتسبًا. ولهذا حذّر الإمام علي عليه السلام: "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيُولّى عليكم شراركم".‏
الخلاصة:‏
هذه الحكاية لا تخبرنا عن بحيرة مسلوبة فقط، بل تكشف قانونًا يتكرر في كل زمان: الطغيان لا يبدأ من قبضة الجبار، بل من لحظة الانسحاب الصامت. فرعون ‏لم يقل "أنا ربكم الأعلى" في الفراغ، بل بعد أن تأكد أن أحدًا لن يسأله: من أعطاك هذا الحق؟
وهنا يقف القارئ أمام مرآة لا أمام قصة: متى اخترنا السلامة على السؤال؟ ومتى تركنا الجبار يولد من صمتنا؟

برچسب ها :
ارسال دیدگاه