مفهوم العصمة في الأنبياء(ع) بين اللطف الإلهي والاختيار الإنساني
إعداد: رئیس التحریر
تُعدّ مسألة العصمة من أهمّ القضايا الكلامية التي شغلت الفكر الإسلامي بمختلف مدارسه، لما لها من ارتباط مباشر بمقام النبوّة، وحجّية الوحي، وصلاحية الأنبياء للاقتداء والتشريع. وقد دار الجدل حولها بين مثبتٍ لها على نحوٍ واسع، ومقيِّدٍ لها بحدودٍ معيّنة، ومعترضٍ على بعض لوازمها الفلسفية، ولا سيّما ما يتعلّق بمسألة الاختيار والجبر. ويهدف هذا المقال إلى بيان مفهوم العصمة وتحليل أبعاده الكلامية والفلسفية، مع التركيز على دفع شبهة الجبر، وبيان انسجام العصمة مع الاختيار الحقيقي.
أولًا: تعريف العصمة في الفكر الكلامي
تبدأ ملامح مفهوم العصمة من تعريف الشريف الجرجاني، المتكلم والفقيه الأشعري، حيث يصرّح بأن العصمة تعني: «ألا يخلق الله الذنب في الشخص المعصوم». وهذا التعريف، وإن صدر من متكلم سنّي أشعري، إلّا أنّه ينسجم في جوهره مع التصور الإمامي للعصمة، من حيث إرجاع الفعل إلى الفاعل المختار من دون واسطة، مع نفي صدور الذنب عن المعصوم.
أما الإمامية، فيعرّفون العصمة بأنها: لطف إلهي يمنّ الله به على المكلّف، بحيث يمتنع عنه صدور الذنب مع امتلاكه القدرة عليه. فالمعصوم ـ بحسب هذا التعريف ـ ليس فاقدًا للقدرة على المعصية، ولا مسلوب الإرادة، بل هو قادر من حيث الإمكان، إلا أنّه لا يحصل لديه الداعي إلى الذنب، بل يبغضه وينفر عنه، مع وجود الصارف العقلي والنفسي الذي يمنعه من الإقدام عليه.
ومن هنا يظهر أنّ العصمة ليست حالة سلبية من العجز أو الامتناع القهري، بل هي حالة إيجابية من الكمال النفسي والعلمي، تجعل المعصية قبيحة في نظر المعصوم قبحًا يمنع من صدورها اختيارًا.
ثانيًا: العصمة في تفسير العلامة الطباطبائي
يقدّم العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره :"الميزان" رؤية عميقة لمفهوم العصمة، حيث يربطها بالفطرة السليمة والخلقة المعتدلة، التي أوجد الله عليها بعض عباده المصطفين. فهؤلاء ـ كما يقول ـ نشأوا على صفاء الفطرة، وسلامة النفس، وقوّة الإدراك، ما جعلهم ينالون مقام الإخلاص الإلهي من دون تلوّث بألواث الموانع والشهوات.
ويرى الطباطبائي أنّ هؤلاء هم «المخلَصون» ـ بفتح اللام ـ الذين اجتباهم الله لنفسه، ومنحهم علمًا صار ملكةً راسخةً في نفوسهم، تعصمهم من اقتراف الذنوب، صغيرة كانت أم كبيرة. وهذا العلم ليس مجرّد معرفة نظرية، بل هو علم حضوري وشهودي، يكشف للمعصوم حقيقة الذنب وآثاره كشفًا يمنع من الإقدام عليه، كما يمتنع العاقل عن إلقاء نفسه في النار مع قدرته الجسدية على ذلك.
ومن هنا يفرّق العلّامة بين العصمة والعدالة؛ فالعدالة تمنع من صدور المعصية عادةً مع إمكان الوقوع، أما العصمة فيمتنع معها الصدور أصلًا، لا لانتفاء القدرة، بل لكمال العلم والإرادة.
ثالثًا: شبهة الجبر ونفي الاختيار
من أبرز الإشكالات المثارة حول العصمة أنها إذا كان المعصوم لا يملك الداعي إلى المعصية أصلًا، وكان الصارف عنها حاضرًا دائمًا، فكيف يكون فعله اختياريًا؟ أليس ذلك نوعًا من الجبر المقنّع؟ وما الفرق بين معصوم يمتنع عن الذنب لانتفاء الداعي، وبين مجبور لا يقدر عليه أصلًا؟
هذه الشبهة تستند إلى خلطٍ دقيق بين انتفاء القدرة وانتفاء الداعي. فالجبر الحقيقي يعني سلب القدرة والاختيار، بحيث لا يكون الفعل منسوبًا إلى الفاعل. أما في العصمة، فالقدرة والإرادة محفوظتان، والفعل يصدر من نفس المعصوم، لكن ضمن بنية نفسية وعلمية راقية تجعله يختار الطاعة اختيارًا واعيًا.
إنّ انتفاء الداعي إلى الذنب لا يساوي الجبر، كما أنّ وجود الداعي لا يساوي الحرية. فكم من إنسان يملك دواعي قوية لفعلٍ ما، ومع ذلك يختار تركه. والاختيار الحقيقي لا يتوقّف على تساوي الدواعي، بل على صدور الفعل عن إرادة واعية غير مكرهة.
رابعًا: اللطف الإلهي والاختيار
أنّ اللطف الإلهي للخواص من عباد الله لا يفضي إلى الجبر وسلب الاختيار؛ لأنّ الصدور يكون من نفس الفاعل، بعد أن منحه الله ملكة الإرادة والمشيئة. فالله تعالى هو العلة الأساسية والمعطي الحقيقي للإرادة، لكن ذلك لا يلغي نسبة الفعل إلى العبد.
وقد عبّر الخواجة نصير الدين الطوسي عن هذا المعنى بدقة، حين قال: «العصمة ملكة، مع وجودها لا يصدر الذنب من صاحبها». فالملكة هنا ليست قيدًا قهريًا، بل صفة راسخة مكتسبة أو موهوبة، تجعل الفعل القبيح غير مرغوب فيه، مع بقاء القدرة عليه.
ويمكن تقريب هذا المعنى بمثال عقلي: فالعاقل السليم يمتنع عن شرب السمّ، لا لأنه مجبور، بل لأنه يعلم يقينًا عاقبته. فهل يُقال إن امتناعه عن شرب السمّ جبر؟ أم هو أرقى مراتب الاختيار؟
خامسًا: القيمة الأخلاقية للعصمة
يبقى السؤال: هل يفقد ترك المعصية قيمته الأخلاقية عند المعصوم؟ الجواب: كلا. بل إن قيمة الطاعة عند المعصوم أعظم؛ لأنها تصدر عن وعي كامل بحقيقة الطاعة والمعصية، وعن اختيار حرّ نابع من حبّ الله ومعرفته. فالمعصوم لا يترك الذنب خوفًا فطريًا فقط، بل تركًا نابعًا من كمال معرفته بالله، وهذا أعلى مراتب الطاعة.
خاتمة
يتبيّن مما تقدّم أنّ العصمة، كما يقرّرها الفكر الإمامي ويعضدها بعض متكلّمي أهل السنّة، ليست جبرًا ولا نفيًا للاختيار، بل هي كمال إنساني ولطف إلهي، يجمع بين القدرة والامتناع، وبين الإرادة والطهارة. وهي ضرورة عقلية وشرعية لضمان صدق الوحي، وصلاحية الأنبياء للاقتداء، وحجّية أفعالهم وأقوالهم. وبذلك تبقى العصمة عنوانًا للكمال، لا قيدًا على الحرية، وجسرًا بين الاختيار الإنساني والهداية الإلهية.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




