قبس من نور
الإمام علي بن أبي طالب: حين يصبح الإيمان عدلًا، ويصير العدل إنسانًا
أحمد باقر الطويل
مقدمة:
ليس كل مولدٍ بداية، ولا كل إنسانٍ رقمًا في سجلّ التاريخ. بعض البشر يولدون ليكونوا ميزانًا لا شخصًا، وقيمة لا اسمًا، وضميرًا حيًّا لا سيرة تُروى. حين نذكر الإمام علي بن أبي طالب (ع)، فإننا لا نستحضر رجلًا من الماضي فحسب، بل نقف أمام تجربة إنسانية التقى فيها الإيمان بالعقل، والقوة بالأخلاق، والسياسة بالعدل. الحديث عن علي ليس انحيازًا، بل بحث عن نموذجٍ إنساني لم يسمح للإيمان أن يتحوّل إلى طقسٍ بلا روح، ولا للسلطة أن تنفصل عن القيم. لذلك ظل حضوره حيًّا، لأن القيم الصادقة لا تموت، بل تتجدد كلما احتاجها الزمن.
الولادة في الكعبة: دلالة المعنى قبل الحدث
تبدأ سيرة الإمام علي من نقطة لم يُكتب لغيره أن يبدأ منها: جوف الكعبة. تذكر كتب السيرة أن فاطمة بنت أسد دخلت بيت الله الحرام، فانشقّ لها الجدار، لتخرج بمولود لم يعرف السجود إلا لله. هذه الحادثة لا تُقرأ كمعجزة فحسب، بل كرمزٍ عميق؛ كأن التوحيد احتضن هذا الإنسان منذ لحظته الأولى، وأعلن أن من يخرج من قلب الكعبة سيكون رجل وحدة وعدل، لا فرقة ومصلحة.
التكوين في ظل النبوّة
نشأ علي في بيت النبي محمد (ص)، قبل البعثة وبعدها، فكانت تربيته وعيًا حيًّا لا معرفة نظرية. يصف تلك المرحلة بقوله: "كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه". لذلك لم يعرف الجاهلية، ولم يسجد لصنم، ولم يتردّد حين جاء الوحي. كان أول من آمن، لا لسبقٍ زمني، بل لاستعدادٍ فطري للحق، فصار امتدادًا أخلاقيًا وفكريًا للرسالة، لا مجرد تابع لها.
العقل العلوي: الإيمان حين يفكّر
في كلمات علي نلمس عقلًا يرى أن الإيمان بلا وعي قد يتحوّل إلى خطر، وأن العبادة بلا عدل قشرة فارغة. حين قال: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"، لم يكن يلقي موعظة، بل يؤسس لرؤية إنسانية تجعل الكرامة أصلًا. في فكره، لا يُلغى السؤال باسم القداسة، لأن الحق لا يخشى التفكير، والباطل وحده يخافه.
العدالة التي دفعت ثمنها
حين تولّى الإمام علي مسؤولية الحكم، لم يدخل التاريخ بوصفه حاكمًا يبحث عن الاستقرار السهل، بل بوصفه ضميرًا قرّر أن لا يساوم. لم يرَ في السلطة امتيازًا، بل أمانة ثقيلة، ولم يفصل يومًا بين السياسة والأخلاق، لأن العدل عنده لم يكن خيارًا مرحليًا، بل هوية كاملة.
وقف علي في وجه الامتياز مهما كان صاحبه، ورفض أن تتحوّل القرابة أو الصحبة إلى جواز عبور فوق الحق. وحين طُلب منه ما يُخالف ميزان العدل، لم يتردّد في تذكير الناس بأن نار الظلم تبدأ صغيرة، ثم تبتلع كل شيء.
كان يعلم أن العدالة الصافية تُوجِع، وأنها تترك صاحبها وحيدًا في كثير من الأحيان، لكنه اختار أن يخسر الناس ولا يخسر نفسه، وأن يقف مع الحق ولو قلّ أهله. لذلك لم يكن ثمن عدله خصومة سياسية فحسب، بل وحدةً قاسية، دفعها راضيًا، لأن الحاكم في نظره لا يُقاس بطول بقائه، بل بقدر ما يتركه من أثرٍ نظيف في ضمير التاريخ.
الخلاصة:
علي… مرآة لا تُجامل.
ذكرى مولد الإمام علي ليست احتفالًا بحدثٍ مضى، بل سؤالًا لنا: هل نريده رمزًا نعلّقه، أم مشروعًا نعيشه؟ علي ليس حجة على أحد، بل مرآة صادقة؛ من اقترب منها رأى نفسه كما هي. من أحب عليًا حقًا سيتعب، لأن طريقه طريق وعي وعدل ومسؤولية. وإذا كان قد وُلد في الكعبة، فالتحدي أن نُخرج الكعبة من الحجر إلى السلوك، ليبقى علي قيمةً حيّة لا ذكرى عابرة.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




