هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

استقطاب غير المتدينين: التحديات والأساليب

مقالة الجزء الثاني

استقطاب غير المتدينين: التحديات والأساليب

بقلم: محمد درویش

في الجزء الأوّل من هذا المقال، رأينا كيف يحلّل الكاتب أسباب ابتعاد غير المتدينين عن الدين، من خلال مقاربة نفسية واجتماعية عميقة. كما تبيّن أن الانغماس في الترفيه الحديث، وتأجيل الأسئلة الوجودية، والبحث عن الحرية، تشكّل دوافع أساسية لهذا العزوف. وتوقّف المقال عند أزمة الثقة ببعض العلماء مقابل عامل الكسل وفتور الهمة، بوصفهما عاملين متداخلين في النفور من الخطاب الديني. وعرض النص أعذار غير المتدينين بلغتهم الصريحة، كمللهم من الأسلوب الوعظي أو شعورهم بالحكم والإدانة. وخلص إلى أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على العلماء، بل تبدأ من المجتمع كله عبر القدوة العملية والسلوك الأخلاقي الجاذب. حالياً نضع بين أيديكم متابعة هذا المقال.
               
التوجيهات الدينية: الآيات والروايات حول دعوة البعيدين
لم يتركنا القرآن والسنة بلا إرشاد في موضوع دعوة غير المتدينين، بل زوّدانا بمبادئ واضحة:
الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ – أي أن أساس التبليغ الحكمة (أي وضع الكلام المناسب في الوقت المناسب بالشكل المناسب) والموعظة الحسنة التي تلامس القلب برفق. فهذا توجيه قرآني عام يشمل دعوة كل الفئات، وخاصة من ابتعد عن أجواء الإيمان.
اللين والرحمة في التعامل: مخاطبًا نبيه(ص)، يذكره القرآن بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ – فحتى خير البشر(ص) لو كان فظًا لجفى الناس من حوله. العبرة لنا أن القسوة والجفاء تنفّر القلوب، بينما اللين والتعاطف يجذبانها. لهذا نجد النبي(ص) يؤكّد: «إنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين». فمنفِّر الناس عن الدين آثم، والمبشِّر برحمة الله ودينه مأجور.
القدوة العملية لا الكلامية: أثرنا سابقًا حديث الإمام الصادق(ع): «كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم». وفي رواية أخرى عنه عليه السلام يخاطب شيعته: «معاشر الشيعة، كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا؛ قولوا للناس حُسنًا، واحفظوا ألسنتكم…». كما قال(ع): «رَحِمَ الله عَبداً حبَّبَنا إلى الناسِ ولم يُبَغّضنا إليهم، أما والله لو يَرْوُونَ محاسنَ كلامِنا لكانوا به أعَزّ…». هذه الروايات تؤكد أن حسن المعاملة والأخلاق الفاضلة هي أفضل دعاية للدين، وأن على المتدين أن يكون زينة لمذهب أهل البيت لا سببًا لتنفير الناس منه. فمن تطبيقات ذلك ما رُوي: «رحم الله عبدًا استجرّ مودّة الناس إلى نفسه وإلينا بأن يُظهر لهم ما يعرفون، ويَكُفّ عنهم ما يُنكرون» ؛ أي خاطب الناس بما يفهمونه ويأنسون به، وتجنب ما يستغربونه للوهلة الأولى. وهذا منهج تربوي عميق: ابنِ جسورًا ولا تهدمها بالإصرار على ما لا يتقبله عقل المخاطب أو ثقافته دفعةً واحدة.
عدم الإكراه واحترام الاستقلالية: جاء في القرآن: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾. فلا يُجبر أحد على الإيمان بالقوة أو الضغط الاجتماعي. الإيمان الحقيقي ينبع من اقتناع القلب. لذا، فكل نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشترط الأسلوب الحكيم وعدم التسبب في منكر أكبر من المنكَر المراد تغييره.
هذه النصوص وغيرها كثير ترسم خارطة طريق تبليغي: لين بلا ضعف، حزم بلا عنف، حكمة بلا استخفاف بعقول الناس، وصبر بلا ملل. وهي مبادئ ينبغي استحضارها ونحن نخاطب من فترت صلته بخالقه.
 
رأي الإمام الخامنئي حول استقطاب غير المتدينين
قدّم الإمام السيد علي الخامنئي – حفظه الله – توجيهات مهمة في هذا المجال، باعتباره قائدًا يمتلك رؤية تجديدية في العمل التبليغي:
مبدأ الجذب الأقصى والنفور الأدنى: يشدد الإمام الخامنئي على سياسة «الجذب الحدّ الأقصى، والدفع (الإقصاء) الحدّ الأدنى». فهو يدعو إلى توسيع دائرة الثورة والإسلام لاستيعاب أطياف متعددة، وتجنب طرد أي شخص من هذه الدائرة لمجرد اختلافات جزئية في الرأي أو الأسلوب. يقول: «كوّنوا جبهة الثورة الواسعة، واستقطبوا الناس؛ لا تقصوا أحدًا؛ فمجرد اختلاف ذوق أو اجتهاد في مسألة لا يبرر الطرد». حتى من كان ضعيف الالتزام أو لديه إيمان “نصف إيمان” – حسب تعبيره – ينبغي احتواؤه لا نفرته. ويؤكد سماحته: «إيّاكم أن تدعوا بسلوككم وتصرفاتكم من كان إيمانه نصفًا أن ينقطع تمامًا عن الإيمان؛ بل بالعكس، استميلوا الذين في منتصف الطريق وقربوهم». هذه النظرة الرحبة تعني عدم استعجال الحكم على الأشخاص وإقصائهم، بل الصبر على تدرجهم الإيماني.
التفريق بين العدو الصريح والأبناء المخطئين: يفرّق الإمام بين من يعادي الدين صراحةً وبين عموم الناس الذين قد يكون لديهم قصور أو أخطاء. فهو يقول ما معناه: استقطبوا كل من يمكن استقطابه، حتى غير الثوري (أو غير المتدين تمامًا) إن لم يكن معاندًا هو قابل للجذب. أما من كان معاندًا معاديًا متربصًا فله شأن آخر. هذه التفرقة مهمة كي لا نضع جميع البعيدين عن الدين في خانة “الأعداء” ونعاملهم بجفاء؛ بل نعامل الكثيرين منهم كأبناء بيئة تحتاج احتواء.
الثقة بفطرة الشباب وقلوبهم النقية: في إحدى خطاباته أشار الإمام الخامنئي إلى أنه حتى الشباب الذين «ليسوا متدينين جدًا، قلوبهم نقية وصادقة بسبب شبابهم… هي كالمرايا الصافية تجتذب نور الهداية الإلهية». هذه النظرة المتفائلة تؤكد أن غير المتدين اليوم قد يصبح متدينًا صادقًا غدًا إذا وجد من يأخذ بيده. وعليه، ينصح المتدينين أنفسهم بأن يكونوا قدوة صالحة بين زملائهم وفي محيطهم كي «ينيروا الآخرين بنور هدايتهم». فالشاب إذا رأى صديقًا له متدينًا ولكن ناجحًا في دراسته أو عمله ومحبوب الأخلاق، سيتأثر به حتمًا.
عدم اليأس من الهداية: يؤكد الإمام على محاربة اليأس والتشاؤم. فلا ينبغي للدعاة أن يستثنوا أحدًا من أمل الهداية، ولا أن يرسموا صورة قاتمة عن ابتعاد الناس؛ بل يستمرون بالعمل الدؤوب بحماس وأمل. وقد بيّن أن النفوس إذا أشرِبت حب الحق ستنجذب في النهاية، فعلينا فقط أن نوصل الحق بأسلوب محبّب ومقنع.
خلاصة موقف الإمام الخامنئي: ابذلوا الوسع في استقطاب الجميع، وافتحوا أبواب الدين على مصاريعها لكل باحث عن معنى، وتجنبوا كل ما ينفّر الناس بلا داعٍ. وهذه فلسفة تبليغية أثبتت نجاحها في إيران إلى حد كبير، حيث نرى شريحة من الشباب غير الملتزم ظاهريًا لكنها تحمل الاحترام لقيم الثورة بسبب هذا المنهج الشامل.
 
قدوات ونماذج ناجحة في جذب غير المتدينين
تاريخنا وحاضرنا زاخران بشخصيات تمكنت من استمالة قلوب البعيدين عن الدين بخلقها وسيرتها المميزة. من تلك النماذج المشرقة:
 
شخصيات معاصرة مؤثرة
الإمام السيد علي الخامنئي: إلى جانب كونه مرجعًا وقائدًا سياسيًا، يمتلك شخصية روحية وأبوية جعلت كثيرًا من غير الملتزمين دينيًا في إيران وخارجها يُكنّون له المحبة والإعجاب. فهم يرون فيه نموذجًا للعدل والزهد والتواضع. مواقفه المناصرة للمستضعفين ورفضه للهيمنة الأجنبية أكسبته احترام شرائح علمانية ترى فيه صوتًا للحق. حتى إن البعض يقول إن سر حب الناس له أنه يخاطب قلوبهم قبل عقولهم، ويعامل الجميع كأبنائه. فهذه الصفات جذبت فئة من غير المتدينين ليعيدوا النظر في رؤيتهم لعلماء الدين عمومًا.
السيد الشهيد حسن نصرالله: زعيم المقاومة اللبنانية شخصية كارزمية تحظى بحب واحترام العديد من المسيحيين والعلمانيين في لبنان والعالم العربي. شفافيته وصدقه – بحيث صار معروفًا أن وعدَه صادق – إضافة إلى تواضعه (رغم قوته السياسية) جعلته قريبًا من الناس على اختلاف مشاربهم. الكثيرون ممن لا يرتادون المسجد ولا يلتزمون بالضرورات الشرعية مع ذلك يستمعون لخطابات السيد حسن نصرالله لما فيها من عمق وصدق ومعالجة لقضايا الواقع. إنه مثال أن المصداقية والشعور الوطني الصادق يجتذبان النفوس بغض النظر عن الخلفية الدينية.
الإمام موسى الصدر: عالم دين وقائد اجتماعي في الستينيات والسبعينيات، تميّز بقدرة فريدة على الحوار مع كافة الأطياف. “لم يكن رجل دين تقليديًا”، بل انفتح على اليساريين والنخب الثقافية وحتى رجال الدين من المسيحيين، مؤسسًا نهجًا من التعايش والعمل المشترك. تمكن من إعادة الهوية الدينية لشباب شيعة كانوا قد انخرطوا في أحزاب يسارية وعلمانية عبر إقناعهم بأن الإسلام يقف مع المحرومين ويحقق العدالة التي ينشدونها. كثيرون ممن لم يكونوا متدينين بدأوا يحضرون مجالسه ويتأثرون بخطاباته العقلانية العاطفية معًا. لذا صار رمزًا للوحدة الوطنية، أحبّه المتدين وغير المتدين على حد سواء، حتى قال أحد المفكرين: “كان من رسّخ العقيدة وأحيا الدين في زمن نهشت فيه الشيوعية والإلحاد بمجتمعنا”.
 
نماذج من سير الشهداء
الشهيد إبراهيم هادي: شاب إيراني استشهد في الثمانينيات (الحرب الإيرانية – العراقية)، ولم يُعثر على جثمانه فلقب بـ”شهيد مجهول المزار”. تروي كتب سيرته (مثل سلام على إبراهیم) أنه كان يتمتع بروح رياضية وبدنية قوية وجاذبية شخصية خاصة. استخدم إبراهيم شعبيته في الحيّ لجذب رفاقه إلى الأنشطة الرياضية أولًا، ثم ربطهم بالمجالس الدينية تدريجيًا. كان معروفًا بحسن المعشر، يمزح ويضحك ولا يعيّر أحدًا بتقصيره الديني، بل يأخذ بيده برفق حتى يصير من روّاد المسجد. أحد أصدقائه ممن كان بعيدًا تمامًا عن الدين تحول بفضله إلى شاب ملتزم، لأنه تأثر بمحبة إبراهيم الصادقة له. بهذا الأسلوب – كسر الحاجز النفسي عبر نشاط محبوب (الرياضة) ثم التدرج في ربط الشاب بالجو الإيماني – قدّم إبراهيم هادي نموذجًا ناجحًا للمبلّغ غير المباشر. واليوم بعد عقود، أصبحت سيرته مصدر إلهام للشباب الإيراني (حتى غير المتدين منهم) لما تحمله من معانِ الفروسية والنبل دون تعصب ديني أجوف.
السيد مرتضى آويني: شهيد عرف بـ”سيد شهداء أهل القلم”، وهو مفكر وفنان إيراني. مرتضى آويني في شبابه كان بعيدًا عن أجواء الدين، ومنغمسًا في دراسة الهندسة والفنون وربما تأثر بأفكار حداثية. لكنه مع انتصار الثورة الإسلامية وانخراطه في توثيق جبهات الحرب، انبهر بالإيمان العميق والبسالة لدى المقاتلين المتدينين، فتحول تدريجيًا إلى شخص شديد الإيمان، وسخّر قلمه وعدسته لنقل تلك الروحانية إلى عموم الناس. سلسلة أفلامه الوثائقية “رواية الفتح” كانت مثالًا على الخطاب الفني العميق الذي تأثر به حتى من لم يكن ملتزمًا، لأنها ربطت الحس الوطني بالقيم الدينية بشكل شفاف. كما أن كتاباته العرفانية والفلسفية بعد ذلك جذب قراءً من الشباب المثقف الذي ربما كان يعزف عن قراءة كتب العلماء التقليديين. فآويني يمثل جسرًا بين العقول المثقفة الحداثية وتجربة الإيمان الثوري، لذا تجد حتى بعض العلمانيين في إيران يبدون احترامًا له كظاهرة ثقافية فريدة.
هذه الأمثلة وغيرها تظهر أن الصدق والإخلاص ومخاطبة الفطرة الإنسانية هي العناصر المشتركة في نجاح هؤلاء باستقطاب الجميع. لم يستخدموا الإكراه ولا التسفيه، بل قدموا نموذجًا حيًا لما يدعو إليه الدين من مكارم الأخلاق. فالناس بطبعهم يميلون لمن يحبهم ويخدمهم بصدق، ويُنصتون لمن يمزج القول بالفعل.
تتابع
المصدر: موقع مرکز البصیرة

برچسب ها :
ارسال دیدگاه