المساوئ المعرفية واللاهوتية للفضاء السيبراني،
في حوارٍ مع عليرضا قائمينیا
القسم الثاني والأخیر
تعریب الآفاق:
- هل كان همُّك الرئيسي في هذا الكتاب لاهوتيًا أم فلسفيًا وكلاميًا؟ لأنَّ هواجس من هذه الأنواع الثلاثة تُلاحظ في هذا العمل، ويبدو أنك قد أخذت هذه المجالات في الاعتبار معًا بشكل متزامن؟
كان لي هدفان رئيسيان في هذا العمل: الهدف الأول كان توفير أساس فكري فلسفي نقدي تجاه الفضاء السیبراني. انتبهوا إلى أن النقد الذي أتحدث عنه هنا لا يشير إلى المقاربات السلبية الرافضة، بل يدل أكثر على ضرورة المواجهة الواعية والإيجابية مع هذا الفضاء، لأن الفضاء السیبراني أصبح بالنسبة لنا أمرًا واقعًا لا مفر منه، وعلاقتنا بالفضاء السیبراني تشبه علاقة السمكة بالمحيط، ونحن في هذا المحيط السیبراني نواجه باستمرار ظواهر غير مرغوب فيها، ولهذا السبب فإن توفير أرضية نقدية تجاه الفضاء السیبراني تتکون على أساس النظرة الفلسفية هو أمر مهم. ولأجل هذا الغرض، حاولت استخدام إنجازات التقليدَين الفلسفيين الغربيين (التحليلي والقارّي) إلى جانب فلسفتنا الإسلامية. أما هدفي الثاني فكان تنظيم البنى التحتية اللاهوتية للفضاء السیبراني، والذي أعتقد أنه من أكثر احتياجاتنا المعرفية ضرورة.
- في الواقع، كان الأساس النظري لك في هذا الكتاب هو الفلسفة الإسلامية في الغالب.
نعم، لكني عملت بطريقة تلفيقية، أي أني أخذت نقاطًا من الفلسفة التحليلية والقارّية ودمجتها مع منظور الفلسفة الإسلامية. بالطبع كانت درجة الاستفادة من الفلسفة القارية أكبر، لأن النظرات الإيجابية والمتفائلة تجاه الفضاء السیبراني هي الغالبة في الفلسفة التحليلية، على عكس الفلسفة القارّية التي تتمتع بنظرات نقدية حادة. فعلى سبيل المثال، الفلاسفة المتأثرون بسورين كيركغور أو مارتن هايدغر لديهم آراء نقدية قاسية تجاه الفضاء السیبراني، وقد أثرت هذه الآراء كثيرًا في عملي، لكن في الخطوة النهاية استفدت أكثر من فلسفة العلامة طباطبائي والشهيد مطهري، وقمت بجمع وتدوين آرائي الخاصة مع منظور هذين الفیلسوفین العظيمين.
- لقد ذكرت مفهومًا يُسمى "الحرية الرقمية" وهي مسألة في غاية الأهمية. برأيك ما هي حدود هذه الحرية؟ وما هي العلاقة بين هذا المفهوم ومسألة حجب المحتوی (الفِلترة)؟
لقد خصصت فصلًا من كتابي لهذا النقاش وجاءت مباحثي فیه متأثرة بشكل كبير بمناقشات الشهيد مطهري وبالمباحث الأخرى المطروحة في الفلسفة السياسية للفضاء السیبراني. نحن نجد في الفضاء الرقمي حريات لا نجدها في حياتنا اليومية. على سبيل المثال، يمكننا بسهولة التعبير عن آرائنا وإبداء موافقتنا أو معارضتنا. وبالتالي، فإن الفضاء الافتراضي وفر للبشرية حرية جديدة أُطلِق عليها اسم الحرية الرقمية؛ أي أنك تستطيع بسهولة أن تکثِّر ما تشاء من المعلومات وتقدمها للآخرين أیضا. بینما في الحياة اليومية، لا يمكنك القيام بذلك. لذا طرح بعض علماء الاجتماع والفلاسفة السياسيين ادعاءً مفاده أن الحرية الرقمية جلبت للبشرية أعلى درجات الحرية.
فعلى سبيل المثال، يطرح هابرماس مفهوم "المجال العام" ويقول إنه في العصر الحديث تشكلت مجالات يجتمع فيها جميع أفراد المجتمع ويعبرون عن آرائهم بسهولة. وهذا هو الفرق بين العالم الحديث والعالم القديم. ففي العصر التقليدي، لم يكن لديك مجال عام تستطيع فيه التعبير عن رأيك بسهولة، لكن في الفضاء الرقمي، ظهر مثل هذا المجال. بالطبع، هو لم يقل هذا الکلام عن الفضاء الرقمي تحدیدا، لكن کلامه یجد تجليًا وتطبیقا أوضح في هذا المجال. وقد نقل بعض المفكرين المتأثرين بهابرماس هذا النقاش إلى الفضاء الافتراضي وقالوا یمکن رؤیة ذلك المجال العام بوضوح في الفضاء الافتراضي، حيث إن الشيء الوحيد المسيطر هناك هو أخلاقيات الحوار، وأن الإنسان یتصرف فیه بناءً على أخلاقيات تواصلية وأخلاقيات حوار.
ما تحدثنا عنه حتى الآن یتعلق بـ "الحرية الرقمية"؛ لكن الشهيد مطهري، في آخر مناقشاته، تحدث عن مفهوم اسمه "الحرية المعنوية" وطرح هناك نظرية يقول فيها: عالم اليوم هو عالم الحرية، وأهم سمة للغرب هي في الواقع الحريات الاجتماعية والسياسية التي منحها للبشر. ويقول: لدينا نوعان من الحرية: أحدهما هو الحرية الاجتماعية السياسية التي نعرفها، والآخر هو الحرية المعنوية. والحرية المعنوية تعني التحرر من الذات، التحرر من النفس ومن الغرائز والميول الذاتية. ويواصل قائلاً: إذا لم یبلغ الإنسانُ الحريةَ المعنوية، وإذا لم یتحقق له ذلك التحرر من ذاته، فإن التحرر من الآخرين سوف يشوَّه هو الآخر وفي النهاية سيفقد طابعه الحقيقي كحرية؛ أي إذا لم يتحرر الإنسان من الميول، وبالحقيقة من العيوب الكامنة في نفسه مثل الحسد والطمع وما شابه، فإن الحريات الاجتماعية ستكون أيضًا هشة وزائفة، ويجب أن تقوم تلك الحريات أيضًا على هذا النوع من الحرية المعنوية. وبالتالي، فإن الحريات التي نراها في الغرب هي في النهاية حريات زائفة، لأنها حرية في الظاهر، لكنها في جوهرها تخدم أهدافًا أخرى، وتهدف إلى الهيمنة على البشر والسيطرة عليهم بطريقة أخرى. یمکننا أن نقول نفس الشيء عن الحرية الرقمية.
تقول هانا آرنت: حيثما يغلب الطابع الدعائي ويصبح الفضاء دعائيًا، فانتظر شكلًا من أشكال الشمولية أيضًا، أي أن نوعًا من الهيمنة الشمولية (توتاليتارية) تنمو في ذلك الفضاء. إذا كنا في فترة نرى فيها ظهور حريات معينة في الفضاء الرقمي، فإننا نرى لاحقًا قدوم دعايات واسعة النطاق جراء ذلك.
إضافة إلى ذلك، المتحدثون الرئيسيون في هذه الفضاءات ليسوا فقط المستخدمين؛ بل الشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تدير هذه الفضاءات بشكل عام، وهي التي تدیر أمر الدعايات. لذلك، لا تتوقع أن تكون الحرية الرقمية، الحرية بما للکلمة من معنی. وبالتالي فإن هذا الفضاء أيضًا معرَّض لنوع من الشمولية الخفية. علاوة على ذلك، طالما لم تتحقق للإنسان الحرية المعنوية، فإن هذه الحرية (الرقمية) ستتحول في النهاية إلى أداة لتدمير الآخرين.
- هل يمكن بناءً على ذلك استنتاج ضرورة شيء يُسمى بـ "حجب المحتوی" (الفِلترة)؟
لاحظوا! إن ضرورة وضع سياسات لهذا الفضاء ما يقبله أي إنسان. فمسألة الذكاء الاصطناعي التي برزت الآن، قد شغلت جميع الدول، بل حتى أنك ترى الدول العربية قد وضعت سياسات عامة حاكمة لهذا الفضاء قبلنا، بينما لا نزال نحن في بداية ظهور الذكاء الاصطناعي بالنسبة لنا.
لا یعتبر كل استخدام للذكاء الاصطناعي أخلاقيًا، وليس مسموحًا للإنسان أن يستخدم الذكاء الاصطناعي بأي طريقة كانت. والفضاء السیبراني كذلك أيضًا. في رأيي، يجب وضع سياسات عامة حاكمة للفضاء السیبراني في أسرع وقت، كما فعلت العديد من الدول.
ورغم أن أمر الفِلترة وحجب المحتوی ضروري في نطاق محدود، إلا أنه في رأيي لم یعد مجديا في عالم اليوم، لأن أي أداة حجبٍ تُستخدم - مع التقدم الذي أحدثته التكنولوجيا - ستكون محدودة وغير فعالة ومؤقتة. يجب أن يكون لدينا فكر جوهري تجاه الفضاء السیبراني، وأن تُجرى تحليلات ثقافية ودراسات ثقافية جادة حول هذا الفضاء، حتى نتمكن من خلال ذلك من إضفاء الطابع الإنساني على الفضاء السیبراني، لأنه في الحقيقة قد تمت إزالة الإنسانية من الفضاء السیبراني اليوم، وتتبع ذلك سیطرةُ سلسلة من القيم التي تدمر الإنسان.
نظراتنا إلى هذه القضايا لا تزال غير جادة، ولا نعرف النطاق اللاهوتي والأخلاقي والحيوي للتكنولوجيا والسيبر، ولهذا السبب لا نستطيع أن نواجهها بطريقة منهجية وفعالة. الفِلترة هي حل مؤقت، وفي رأيي تشبه تمامًا التعامل الذي كان لدينا مع القنوات الفضائية قبل عدة عقود. فعندما دخلت الفضائية إلى إيران، عارضها الجميع، وكانت قوى الأمن تتعامل معها بشدة؛ لكنهم الآن تخلوا عن ذلك وتحدث أسوأ الأمور. أعتقد أن قضية الفلترة هي نفس الشيء. فرغم أنها ضرورية في فترة مؤقتة، إلا أنها لا يمكن أن تكون الحل النهائي للمشكلة.
المصدر: وکالة تسنیم
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




