مصطلح الأسبوع
التورية
التورية من المصطلحات الأخلاقية والفقهية التي تعني استعمالَ لفظٍ يحتمل معنيين؛ أحدهما ظاهرٌ يتبادر إلى ذهن السامع، والآخر خفيٌّ هو المقصود الحقيقي للمتكلّم. وبذلك يكون الكلام صادقاً في نفسه، وإن فهم المخاطب منه معنىً آخر. ولهذا يميّز أكثر الفقهاء بين التورية والكذب؛ فالكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، أمّا التورية فهي استعمالُ تعبيرٍ يحتمل أكثر من معنى مع قصد أحدهما.
ويرى جمهور فقهاء الإمامية أنّ التورية جائزةٌ في أصلها، بل قد تكون راجحةً أو واجبةً في بعض الموارد، كدفع الظلم، أو حفظ النفس والمال والعِرض، أو الإصلاح بين الناس، أو التخلّص من الحرج، ما دامت لا تؤدّي إلى إبطال حقٍّ أو إيقاع ظلمٍ أو التحايل على الأحكام الشرعية.
إلّا أنّ هذا الرأي لم يحظَ باتفاقٍ كامل؛ فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ معيار الصدق والكذب هو المعنى الذي يفهمه المخاطب من ظاهر الكلام، لا المعنى الذي يقصده المتكلّم في نفسه، وبناءً على ذلك عدّوا بعض صور التورية من الكذب. كما رأى آخرون أنّ التورية إذا قامت على استعمالٍ مجازي لا تساعد عليه قرينةٌ ظاهرة، فإنّها تندرج في حكم الكذب. ونُقل عن صاحب الجواهر أنّ بعض موارد التورية تُعدّ عرفاً كذباً، كما استند بعض المعارضين إلى أنّ المفسدة الأساسية للكذب، وهي إيقاع المخاطب في الجهل أو الخطأ، قد تتحقّق في التورية أيضاً، وإن اختلفت صورتها.
وفي التراث السنّي أيضاً نوقشت هذه المسألة، فاستُعملت كلمة «الكذب» في بعض الروايات للدلالة على التورية، غير أنّ عدداً من العلماء حمل هذا الإطلاق على سبيل المجاز؛ لما بين التورية والكذب من مشابهة في الأثر، مع تأكيدهم أنّ الحكم الفقهي لكلٍّ منهما ليس واحداً.
وهكذا تبقى التورية من المسائل التي تجمع بين البعد اللغوي والأخلاقي والفقهي، وتكشف عن دقّة الفقه الإسلامي في الموازنة بين وجوب الصدق من جهة، ومراعاة المصالح الشرعية ودفع المفاسد من جهة أخرى، ضمن ضوابط دقيقة تمنع تحويلها إلى وسيلة للخداع أو انتهاك الحقوق.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




