قبس من نور
رجب… حين يبدأ التحوّل من الداخل
ليست الأزمنة سواء؛ فبعضها يمرّ عابرًا، وبعضها يحمل وظيفة إيقاظية تغيّر مسار الإنسان. وشهر رجب من هذا النوع الثاني، إذ لا يقتصر حضوره على كونه زمنًا في التقويم، بل هو نداء داخلي يدعو الإنسان إلى مراجعة ذاته وإعادة ترتيب قلبه. إنه شهر البداية الصادقة لمن أراد التحوّل الحقيقي، لا عبر الطقوس الشكلية، بل عبر الوعي والنية.
رجب ليس مقدّمة شكلية لرمضان، بل مرحلة إعداد روحي تُصفّى فيها النيّات، ويُختبر الصدق، وتُعاد فيها صياغة العلاقة مع الله. فمن لم يدرك وظيفة رجب، دخل رمضان بجسد حاضر وقلب غائب. وفي منطق أهل البيت عليهم السلام، الزمان ليس محايدًا؛ فالرحمة الإلهية تُصبّ حيث يوجد الاستعداد، لا حيث يمرّ الزمن فقط. ورجب هو شهر هذا الصبّ الخاص: صبّ الرحمة والتوفيق وإمكان التحوّل.
حين يُقال إن الله يضاعف في رجب الحسنات ويمحو السيئات، فالمقصود ليس حساب الأرقام، بل التحوّل الوجودي؛ فالمحو هو إزالة أثر الذنب من الروح، والمضاعفة تعميق أثر الخير في الداخل. غير أن ذلك مشروط بحضور القلب وصدق النيّة، ولذلك لا يعمل رجب عمله في الجميع. فالاضطراب الداخلي، وبدء الأسئلة الكبرى، هما أول علامات الصبّ الإلهي، لأن الرحمة التي لا توقظ، لا تغيّر.
ويرتبط رجب ارتباطًا وثيقًا بالولاية، إذ شهد ولادات مفصلية لأئمة الهدى عليهم السلام، بدءًا من ولادة أمير المؤمنين علي عليه السلام في قلب الكعبة، بما تحمله من رسالة واضحة: الدخول إلى التوحيد يكون من بابه الصحيح. هذه المناسبات ليست مجرد استذكار تاريخي، بل دعوة حاضرة لتصحيح الاتجاه والعودة إلى ميزان الحق.
ومن هنا نفهم سرّ ارتباط رجب بالعمرة؛ فهو شهر صناعة الإنسان القادر على أداء التكليف، بينما رمضان شهر الأداء. فالعمرة الرجبية هجرة داخلية قبل أن تكون حركة جسدية، وانتقال من عبادة العادة إلى عبادة الحضور.
في الخلاصة، رجب ليس شهرًا يُضاف إلى السنة، بل محطة فاصلة في سيرة الإنسان. من دخله بوعيه خرج متحوّلًا، ومن دخله بعادته خرج كما دخل. هو يفتح الباب فقط، ويترك للإنسان قرار الدخول.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




