العدد السادس: التواضع الفكري في مقابل الجزمية
من الخصائص الشخصية التي يعتبرها بول وإلدر -إلى جانب المهارات التحليلية- شرطاً لازماً للتفكير النقدي، هي "التواضع الفكري": أي الوعي بحدود معرفتنا وتقبّل احتمالية أن نكون مخطئين. ونقيض ذلك هو "الجزمية" (الدغمائية): أي تصور أن رأينا هو الرأي الصائب الوحيد، وأن كل من يخالفنا هو إما قليل المعرفة أو سيئ النية.
النقطة الدقيقة هنا: التواضع الفكري لا يعني ضعف الاعتقاد أو النسبية المطلقة. يمكن للمرء أن يكون مؤمناً بشدة بقضية ما، وفي الوقت نفسه يعترف بتواضع أن استدلال الطرف المقابل قابل للنظر والمراجعة.
ونموذجٌ تعليمي رائع لهذا التواضع يمكن رؤيته في ظاهرة "اختلاف آراء مراجع التقليد" في الفقه الشيعي. فمجتهدان كلاهما قضى سنوات في العمل على المصادر ذاتها (القرآن، السنة، الإجماع، العقل)، ومع ذلك قد يصلان إلى فتويين مختلفتين. إن نظام الاجتهاد الشيعي لا يتسامح مع هذا الاختلاف فحسب، بل يراه علامة على سلامة عملية الاجتهاد؛ لأن وجود الاختلاف يدل على أن الاستنباط لم يقم على التقليد الأعمى، بل وصل كل مجتهد إلى نتيجته باستقلالية. هذه الظاهرة نموذج مؤسسي لقبول حقيقة أن في كثير من المسائل المعقدة، يمكن أن يوجد أكثر من استنباط معقول من مصدر واحد.
تصبح الجزمية خطيرة عندما يعتبر الفرد اختلاف الرأي علامة على جهل الطرف المقابل أو سوء نيته، لا كنتيجة طبيعية لتعقيد المسألة.
تمرين هذا العدد: تذكر آخر مرة كنت "واثقاً" فيها تماماً من أنك على حق في نقاش ما. هل أنت مستعد لاحتمال أنك قد تكون غفلت عن جانب من جوانب الموضوع؟
الخلاصة: الثقة القوية في معتقد ما لا تعني إغلاق باب المراجعة؛ يمكن أن نكون واثقين ومتواضعين في آن واحد.