التفکیر النقدي
العدد الثاني: السؤال الذي ينبغي أن تطرحه قبل تصديق أيّ خبر
ذكرنا في العدد السابق أنّ المفكّر النقدي لا يبادر إلى التصديق، بل يبدأ بالسؤال. ولكن ما السؤال الذي ينبغي أن يطرحه؟
تكمن نقطة البداية في التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما تختلط في أحاديثنا اليومية: المعرفة، والاعتقاد، والرأي.
فالمعرفة هي قضيةٌ تستند إلى أدلّة وشواهد كافية، بحيث يمكن التحقّق منها وإثباتها أو نقضها. أمّا الاعتقاد فهو تبنّي الإنسان لقضيةٍ ما، سواء استند إلى دليلٍ كافٍ أم لم يستند. وأمّا الرأي فهو موقفٌ أو تقييمٌ شخصيّ يعكس وجهة نظر صاحبه أو تفضيله، ولا يكون صحيحاً أو خاطئاً بالضرورة.
وتبدأ المشكلة حين تُعرض هذه المستويات الثلاثة، ولا سيّما في وسائل التواصل الاجتماعي، بالأسلوب نفسه وبدرجةٍ واحدة من الجزم، فيصعب على المتلقّي أن يميّز: هل ما يسمعه حقيقةٌ قابلة للتحقّق؟ أم اعتقادٌ شخصي؟ أم مجرّد رأيٍ أو ذوق؟
وليس هذا التمييز غريباً عن تراثنا العلمي؛ ففي علم أصول الفقه نجد عنايةً دقيقة بتفاوت درجات الوثوق بالقضايا، من خلال مفاهيم مثل العلم والظن والشك، حيث خُصّص لكلّ واحدٍ منها حكمٌ وآثارٌ تختلف عن الآخر. وقد ناقش الأصوليّون، على سبيل المثال، مدى حجّية الظن، وهل يكفي وحده أساساً للعمل أم يحتاج إلى دليلٍ أقوى. وهذا يكشف عن وعيٍ مبكّر بأنّ القضايا ليست جميعها في مرتبةٍ واحدة من الاعتبار، وأنّ لكلّ دعوى درجةً من القوّة ينبغي تقديرها قبل إصدار الحكم عليها.
لذلك، عندما تسمع خبراً أو تقرأ منشوراً، جرّب أن تسأل نفسك ثلاثة أسئلة:
• هل هذه حقيقةٌ يمكن التحقّق منها؟
• أم أنّها تعبّر عن اعتقاد صاحبها؟
• أم أنّها مجرّد رأيٍ أو تفضيلٍ شخصي؟
إنّ كثيراً من الجدل العقيم في الفضاء الرقمي ينشأ من الخلط بين هذه المستويات الثلاثة.
تدريب هذا العدد:
اختر ثلاث عباراتٍ ممّا قرأته اليوم في الأخبار أو وسائل التواصل، ثمّ حدّد: هل تمثّل معرفةً، أم اعتقاداً، أم رأياً؟
الخلاصة:
قبل أن توافق على أيّ قضية أو ترفضها، حدّد أولاً طبيعتها: أهي معرفة، أم اعتقاد، أم رأي؟ فهذه هي الخطوة الأولى نحو تفكيرٍ أكثر دقّةً ووعياً.