حوار
مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة.. ذاكرة التراث وحاضنة المعرفة
عبد الحميد عبد الرضا علي الصافي؛ معاون مدير المكتبة
بالتعاون مع الشيخ حسين محسن التميمي
بعد أن استعرضنا في القسم الأول المسيرة التاريخية للمكتبة ورسالتها المؤسسية، يحين الآن الانتقال إلى قلب تجربتها العلمية؛ حيث تتجلى القيمة الحقيقية لهذا الصرح في ما يضطلع به من جهودٍ لحفظ التراث المخطوط، وفهرسته، وترميمه، ورقمنته، وإتاحته للباحثين. وفي السطور الآتية، نسلّط الضوء على أبرز هذه الجوانب، كما نستعرض رؤيته المستقبلية لتعزيز حضوره العلمي وتوسيع آفاق التعاون مع المؤسسات الأكاديمية ومراكز التراث.
4. كم عدد المخطوطات لديكم؟ وما أهم سماتها من حيث القِدم والموضوع واللغات ودرجة الندرة؟
تضم مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة مجموعةً مهمةً من المخطوطات، يصل عددها إلى أكثر من (5000) نسخة خطية في مختلف العلوم الإسلامية والإنسانية والعلوم الصرفة، وتشمل: علوم القرآن الكريم، والحديث الشريف، والفقه، والأصول، والعقائد، واللغة العربية، والتاريخ، والتراجم، والمنطق، والفلسفة، والطب، والكيمياء، والحساب، وغيرها.
وتتفاوت هذه المخطوطات من حيث القِدم؛ إذ يعود بعضها إلى قرون مبكرة، كما تضم المكتبة عدداً من النسخ النادرة والفريدة التي تمثل قيمة علمية وتاريخية كبيرة. وتتنوع لغاتها بين العربية والفارسية والتركية وغيرها، بحسب طبيعة النتاج العلمي في الحواضر الإسلامية المختلفة.
أما الوثائق، فيصل عددها إلى أكثر من (12000) وثيقة في مختلف الموضوعات، منها: التاريخية، والمالية، والاجتماعية، والسياسية، والشرعية، فضلاً عن وثائق تخص إعمار العتبات المقدسة في الأزمنة الماضية.
5. ما منهجكم في فهرسة المخطوطات والتحقق من بياناتها (النِّسَب، التواريخ، السماعات، الإجازات)، وكيف تضمنون الجودة العلمية؟
يعتمد مركز تصوير المخطوطات وفهرستها منهجاً علمياً في الفهرسة الوصفية والتحليلية للمخطوطات، يقوم على المعاينة المباشرة للنسخة وتوثيق بياناتها الببليوغرافية، وأوصافها المادية والعلمية والتاريخية، مع التحقق من أسماء المؤلفين ونِسَب الكتب وتواريخ النسخ، اعتماداً على المصادر الببليوغرافية المعتمدة وقواعد بيانات المخطوطات.
كما يتم توثيق ما يرد في المخطوط من سماعات، ومقابلات، وإجازات، وتملكات، ووقفيات، وتعليقات علمية. وتُراجع البيانات أكثر من مرة من قبل خبراء المركز؛ لضمان أعلى درجات الدقة والجودة العلمية.
6. ما ضوابط إتاحة المخطوطات للباحثين: متى يُسمح بمطالعة الأصل، ومتى يُكتفى بالنسخ المصورة/الرقمية؟
يحرص المركز على الموازنة بين خدمة الباحثين والمحافظة على الأصول المخطوطة؛ ولذلك يُعتمد الأصل للمطالعة في الحالات العلمية الخاصة التي تستدعي الرجوع إليه مباشرة، وذلك بعد استحصال الموافقات اللازمة، ووفق ضوابط الحفظ والصيانة؛ حفاظاً على سلامة المخطوطات وتقليل تداول الأصول.
أما في الحالات الاعتيادية، فيُكتفى بتوفير النسخ الرقمية أو المصورة وفق آلية معتمدة واستمارة أعدَّها المركز، تُملأ من قبل المستفيد، ومن ثم يُزوَّد بالنسخة المطلوبة.
أما السؤال السابع، فهو من اختصاص مركز الفضل لصيانة وحفظ التراث المخطوط والأرشيف الوثائقي، ويجيب عنه مدير المركز الأستاذ ليث علي حسين لطفي.
7. ما أبرز تحديات الحفظ والترميم التي تواجهونها، وما الإمكانات المتوفرة لديكم لمعالجتها؟
أبرز التحديات هي كثرة المخطوطات والوثائق التاريخية المتضررة نتيجة سوء الخزن، والتخريب، وسوء الاستخدام لدى عامة الناس، وكذلك الاتجار غير المشروع بالمخطوطات، مما يتطلب التدخل لصيانتها وحفظها بأفضل الطرائق العلمية والفنية المتبعة عالمياً.
بالإضافة إلى ذلك، فإن قلة مراكز الصيانة والحفظ في العراق تُحمِّل مركزنا أعباءً إضافية، وتُضاعف الجهود المبذولة للسيطرة على أعداد المخطوطات المعروضة عليه وترميمها.
ويقوم مركزنا بصيانة وترميم المخطوطات العائدة للمكتبة، فضلاً عن المخطوطات الخاصة بالشخصيات العلمية أو التابعة للمكتبات العامة، وذلك بحسب الموافقات الأصولية المعتمدة.
أما الإمكانات المتوفرة، فتتمثل بوجود كادر متخصص حاصل على شهادات جامعية من جمهورية التشيك في مجال الترميم والمحافظة على التراث الوثائقي والمخطوط، يمتاز بالخبرة العملية والحرفية العالية في مجال المحافظة على هذا التراث وترميمه وإيصاله إلى الأجيال القادمة.
كما يتوفر في المركز مشفى متخصص ومتكامل للمخطوطات، يضم أهم الأجهزة والمعدات المستخدمة في مراكز الصيانة والحفظ العالمية، فضلاً عن استخدام مواد ذات مناشئ عالمية رصينة ومتخصصة في إنتاج مواد الصيانة والحفظ.
وكل ذلك بفضل الدعم المستمر لسماحة المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، العلامة السيد أحمد الصافي (دام عزه)، وإدارة العتبة العباسية المقدسة.
8. إلى أي مدى تقدّمون خدمات رقمنة وتصوير للمخطوطات والمصادر، وما خطتكم لتوسيع الوصول الرقمي؟
يقدّم المركز خدمات تصوير ورقمنة للمخطوطات والوثائق وفق الضوابط المعتمدة وحقوق الملكية الفكرية. وقد أُنجزت رقمنة جميع مخطوطات الخزانة المباركة، فضلاً عن رقمنة مخطوطات مئات المكتبات المحلية والدولية، ليصل العدد إلى أكثر من (600,000) نسخة رقمية.
وهناك أكثر من (100,000) نسخة خطية مفهرسة متاحة على موقع المرجع الرقمي للتراث المخطوط، يجد فيه الباحث ما يحتاجه من بيانات، فضلاً عن أكثر من (200,000) وثيقة رقمية.
ويسعى المركز إلى توسيع هذا المشروع من خلال استكمال التصوير الرقمي عالي الدقة، وزيادة قواعد البيانات، وتطوير المنصات الإلكترونية، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعرّف الضوئي على النصوص عند توفر الإمكانات الفنية المناسبة، بما يساعد على تسهيل البحث داخل المحتوى المخطوط.
كما يعمل على تعزيز الحفظ الرقمي طويل الأمد عبر إنشاء نسخ احتياطية متعددة، وتحديث البنية التحتية التقنية لضمان سلامة البيانات واستمرارية الوصول إليها، فضلاً عن توسيع الشراكات العلمية والمؤسسية مع الجامعات ومراكز البحث والمكتبات المتخصصة؛ لتبادل الخبرات وتطوير الخدمات الرقمية المشتركة.
وتهدف هذه الخطة إلى تحقيق التوازن بين إتاحة التراث المخطوط للباحثين والمهتمين من جهة، والمحافظة على حقوق المؤسسة وسلامة الأصول المخطوطة من جهة أخرى.
9. هل لديكم تعاون أو تواصل علمي مع مؤسسات ومراكز في الجمهورية الإسلامية الإيرانية (حوزات، جامعات، مكتبات، مراكز مخطوطات)؟ وما أبرز مجالات هذا التعاون؟
ترتبط المكتبة بعلاقات تعاون وتواصل علمي مع عدد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية داخل العراق وخارجه، تشمل الجامعات، والمكتبات العامة والمتخصصة، ومراكز المخطوطات، والمؤسسات الحوزوية.
وتتنوع مجالات التعاون بين تبادل الخبرات العلمية، والمشاركة في المؤتمرات العالمية من خلال البحوث العلمية المتخصصة في مجال المكتبات، وتنظيم الندوات وإلقاء المحاضرات، وتنفيذ المشاريع البحثية المشتركة، وتبادل الفهارس والبيانات العلمية، وتنظيم معارض الكتب ومعارض صور المخطوطات النادرة لدى مكتبة العتبة العباسية المقدسة، فضلاً عن التدريب في مجالات الفهرسة والرقمنة والترميم.
وهناك مذكرة تعاون بين إدارة مركز الحوزات العلمية في إيران والعتبة العباسية المقدسة، تشمل مجالات التعاون المذكورة آنفاً.
10. ما أولوياتكم للسنوات القادمة (توسعة، تزويد، فهرسة، رقمنة، ترميم، تعاونات علمية)، وما الذي تحتاجونه لتحقيقها؟
تتمثل أولويات المكتبة خلال السنوات القادمة في استكمال مشاريع الفهرسة العلمية الشاملة، وتوسيع برامج الرقمنة، وتطوير مختبرات الترميم والصيانة، وزيادة الأوعية المكتبية من المخطوطات والوثائق والمصادر العلمية؛ تعزيزاً لمكانتها العلمية العالمية، فضلاً عن تطوير التعاون مع المؤسسات البحثية المحلية والدولية.
ويتحقق ذلك من خلال الدعم المستمر الذي تقدمه إدارة العتبة العباسية المقدسة، المتمثلة بسماحة المتولي الشرعي، العلامة السيد أحمد الصافي (دام عزه)، والأمين العام للعتبة العباسية المقدسة، السيد مصطفى مرتضى ضياء الدين (دام توفيقه).
وختاماً، نتوجه بالشكر الجزيل إلى كادر مجلة الآفاق على إتاحة هذه الفرصة للتعريف بمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة ومكانتها العلمية والثقافية، كما نثمّن جهود المجلة في نشر المعرفة والثقافة، ووصول نسختها الإلكترونية إلى القراء بصورة منتظمة.
انتهی