printlogo


printlogo


حوار العدد
الشيخ محمد الكرباسي في حوار مع «الآفاق» مركز النجف الأشرف... ذاكرةُ الحوزة وآفاقُ المستقبل

تقدیم
في الحلقة الأولى من هذا الحوار، تحدث سماحة الشيخ محمد الكرباسي عن ظروف تأسيس مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر، ورسالة المركز، وخصائصه، وأبرز مشاريعه، وما يضمه من كنوز وثائقية ومخطوطات وإصدارات علمية أسهمت في حفظ جانب مهم من الذاكرة العلمية لمدينة النجف الأشرف.
وفي هذه الحلقة، يواصل سماحته الحديث عن رؤية المركز لمستقبل التوثيق الرقمي، وآفاق التعاون بين الحوزتين العلميتين في النجف الأشرف وقم المقدسة، والفرص المتاحة أمام الباحثين، إضافة إلى رؤيته لمستقبل المركز، ومشروع إنشاء شبكة مشتركة لحفظ التراث الحوزوي، بوصفه أحد المشاريع الحضارية التي من شأنها تعزيز التعاون العلمي وصيانة الذاكرة المشتركة للأمة.
6. التوثيق الرقمي ورؤية المستقبل
السؤال: في ظل التطور المتسارع في التقنيات الرقمية، كيف يوظف المركز الوسائل الحديثة في حفظ الوثائق ورقمنتها وتوثيق التراث وإتاحته للباحثين؟ وما خططكم المستقبلية في هذا المجال؟
الجواب: كان الحفظ الرقمي حاضرا في فكرة المركز منذ بداياتها الأولى؛ لأن المشروع بدأ أساسا بتصوير المخطوطات وحفظها على الأقراص الليزرية، في وقت لم تكن فيه وسائل الرقمنة منتشرة كما هي اليوم.
ويعمل المركز حاليا على تصوير الوثائق والمخطوطات والصور بأجهزة رقمية مناسبة، ثم تصنيفها وفهرستها وحفظها في أكثر من نسخة، لتقليل خطر الفقد أو التلف. كما نسعى إلى ربط كل مادة بمعلوماتها الأساسية، مثل اسم المؤلف أو المرسل والمرسل إليه، والتاريخ، والموضوع، والمكان، ومصدر الوثيقة، والحقوق المتعلقة بها.
ومن خططنا المستقبلية إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية أكثر شمولا، تتيح البحث في فهارس الوثائق والمخطوطات والصور، وإطلاق بوابة رقمية يستطيع الباحث من خلالها معرفة ما يمتلكه المركز، وطلب المادة التي يحتاج إليها وفق الضوابط العلمية. كما نطمح إلى تطوير وسائل الحفظ الاحتياطي، وإنشاء مختبر متخصص في صيانة الوثائق والمخطوطات، وتدريب كوادر شابة على الفهرسة والترميم والتصوير الرقمي، والاستفادة من التقنيات الحديثة في قراءة الخطوط القديمة والتعرف على الأسماء والموضوعات، مع بقاء الإشراف العلمي البشري أساسا في عملية التوثيق. ومن المهم كذلك التعاون مع المؤسسات المتخصصة لتوحيد معايير الفهرسة الرقمية، حتى لا يبقى كل مركز يعمل ضمن نظام منفصل يصعب الربط بينه وبين أرشيفات المؤسسات الأخرى.
 
7. آفاق التعاون مع الحوزة العلمية في قم:
السؤال: تمثل الحوزتان العلميتان في النجف الأشرف وقم المقدسة ركيزتين أساسيتين في العالم الشيعي، فما المجالات التي ترون أنها تمثل أرضية مناسبة للتعاون بين مركزكم والمؤسسات العلمية والبحثية والتوثيقية في الحوزة العلمية بقم؟
الجواب: إن العلاقة بين حوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة علاقة علمية وتاريخية عميقة، وقد تنقل العلماء والطلاب والكتب والإجازات والمخطوطات بينهما خلال أكثر من قرن، ولذلك فإن جانبا مهما من تراث النجف موجود اليوم في قم وإيران، كما أن جانبا من تراث علماء قم وإيران محفوظ في النجف. ومن هنا توجد مجالات واسعة للتعاون، أولها تبادل فهارس المخطوطات والوثائق والصور، وتبادل النسخ الرقمية للمواد التي تتصل بتاريخ الحوزتين وعلمائهما.
والمجال الثاني هو إقامة مشاريع تحقيق ونشر مشتركة، ولا سيما للمراسلات والإجازات والرحلات العلمية والوثائق التي تكشف طبيعة التواصل بين علماء النجف وإيران.
والمجال الثالث هو الترجمة؛ فهناك دراسات ووثائق كثيرة باللغة الفارسية تتعلق بتاريخ النجف، كما توجد كتب ودراسات عربية يمكن أن تكون ذات فائدة كبيرة للباحث الإيراني. ومن المناسب تأسيس برامج ترجمة مشتركة بين الطرفين.
والمجال الرابع هو التاريخ الشفاهي، من خلال تسجيل شهادات العلماء الذين درسوا في النجف ثم انتقلوا إلى قم، أو الذين عاصروا مراحل مهمة من تاريخ الحوزتين.
كما يمكن إقامة مؤتمرات وندوات ومعارض مشتركة، وتبادل الباحثين والخبرات، وتنظيم دورات في فهرسة المخطوطات وترميمها، وإنجاز موسوعات تتناول العلاقات العلمية بين النجف وقم.
وقد استقبل المركز خلال السنوات الماضية وفودا علمية وأكاديمية من قم ومشهد وأصفهان ومؤسسات إيرانية متعددة، وبحث معها إمكانات التعاون في التوثيق والتاريخ الشفاهي والنشر والترجمة. ونحن ننظر بإيجابية إلى كل مشروع علمي يحفظ استقلال الحوزتين وخصوصيتهما، ويخدم التراث الإسلامي المشترك.
8. فرص الباحثين الإيرانيين
السؤال: ما الفرص التي يتيحها المركز للباحثين والأساتذة وطلبة العلم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ وهل توجد برامج للتعاون البحثي أو فرص دراسية أو إمكانات للاستفادة من أرشيف المركز ومصادره العلمية؟
الجواب: يفتح المركز أبوابه أمام الباحثين والأساتذة وطلبة العلم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما يفتحها أمام الباحثين من مختلف البلدان، ولا سيما أولئك الذين يعملون في موضوعات تتصل بتاريخ النجف والحوزة العلمية والعلاقات العراقية الإيرانية وتراجم العلماء والرحلات والمخطوطات والوثائق. ويستطيع الباحث الإيراني التواصل مع المركز قبل زيارته، وتحديد موضوع بحثه ونوعية المصادر التي يحتاج إليها، ليقوم فريق المركز بالبحث في الأرشيف وإعداد قائمة أولية بالمواد المتوافرة.
وعند حضور الباحث إلى النجف، يمكنه الاطلاع على الفهارس والوثائق والصور والمخطوطات التي تسمح حقوقها بذلك، والحصول على نسخ رقمية وفق ضوابط المركز، مع تقديم المساعدة العلمية في قراءة الوثائق العربية والتعريف بالشخصيات والأماكن والمؤسسات الواردة فيها. كما نرحب بالمشاريع البحثية المشتركة، وبإعداد رسائل جامعية تعتمد على أرشيف المركز، وبترجمة الوثائق والدراسات، وإقامة الندوات والمعارض المشتركة.
أما من الناحية الدراسية، فالمركز ليس جامعة مانحة للشهادات الأكاديمية، ولكنه يمثل بيئة بحثية وتوثيقية مساعدة، ويمكن أن يحتضن الباحثين خلال مدة عملهم على المصادر، وأن ينسق مع المؤسسات الحوزوية والجامعية بحسب طبيعة المشروع.
ونحن ندعو الباحثين الإيرانيين خصوصا إلى الاهتمام بالوثائق الفارسية المتعلقة بالنجف، وبمذكرات العلماء الإيرانيين الذين درسوا فيها، وبأرشيفات العائلات والمؤسسات التي تحتفظ بمراسلات مع مراجع النجف وعلمائها؛ لأن هذه المواد تكمل ما هو موجود لدينا، وتساعد على بناء صورة تاريخية أكثر دقة.
9. الرؤية المستقبلية للمركز
السؤال: كيف ترسمون ملامح مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة؟ وما أبرز المشاريع التي تعملون عليها، وما المكانة التي تطمحون أن يحتلها المركز على مستوى العالم الإسلامي؟
الجواب: نطمح خلال السنوات المقبلة إلى أن يتحول مركز النجف الأشرف إلى مرجع علمي دولي لكل باحث يدرس تاريخ النجف وحوزتها العلمية وعلماءها ومؤسساتها وعلاقاتها بالعالم الإسلامي.
وتقوم رؤيتنا المستقبلية على عدة محاور؛ أولها استكمال جمع التراث الموزع في المكتبات الخاصة والأرشيفات العراقية والعربية والإسلامية والغربية، ولا سيما الوثائق التي تتصل بالنجف وعلمائها ولم تصل نسخ منها إلى العراق.
والمحور الثاني هو تطوير البنية الرقمية للمركز، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة ومفهرسة، وإطلاق منصة إلكترونية تتيح للباحث معرفة محتويات الأرشيف والوصول المنظم إلى المواد.
والمحور الثالث هو توسيع مشروع التاريخ الشفاهي؛ لأننا نعيش مرحلة يفقد فيها الوسط العلمي والاجتماعي عددا من الشخصيات التي تحمل ذاكرة مهمة، وإذا لم نسجل شهاداتها اليوم فقد تضيع إلى الأبد.
والمحور الرابع هو تأسيس أقسام بحثية أكثر تخصصا في التاريخ والفقه والفكر والاجتماع والوثائق، واستقطاب الباحثين الشباب، وإقامة دورات لتأهيلهم في مناهج التحقيق والتوثيق وقراءة المخطوطات.
والمحور الخامس هو التوسع في الترجمة إلى اللغات الفارسية والإنجليزية والتركية والفرنسية وغيرها، حتى يخرج تاريخ النجف من الإطار المحلي، ويصبح حاضرا في الدراسات العالمية.
كما نعمل على تطوير الأفلام الوثائقية والمنتجات الموجهة إلى الأطفال والناشئة، وإنشاء متحف دائم أكثر اتساعا يعرض نماذج من وثائق النجف وصورها ومخطوطاتها بطريقة علمية حديثة. ونطمح كذلك إلى امتلاك مبنى متكامل يضم خزائن حفظ ملائمة، وقاعات للباحثين، ومختبرا للترميم، ومكتبة تخصصية، ومتحفا، وقاعة للمؤتمرات والمعارض.
إن طموحنا ليس أن يكون المركز كبيرا بحجم ممتلكاته فقط، بل أن يكون موثوقا بدقة أعماله، وأن يسهم في تقديم النجف إلى العالم بوصفها مدينة علم وفكر وحوار ومواقف إنسانية وحضارية.
10. إنشاء شبكة مشتركة للتراث الحوزوي
السؤال: ألا ترون أن الوقت قد حان لإنشاء شبكة مشتركة للتراث الحوزوي تجمع المؤسسات العلمية والتوثيقية في الحوزتين العلميتين في النجف الأشرف وقم المقدسة، بحيث تتولى حصر الوثائق والمخطوطات والصور التاريخية، وتوثيق التاريخ الشفاهي، ورقمنة هذا التراث العلمي المشترك، وإتاحته للباحثين؟ وإذا كنتم تؤيدون هذه الفكرة، فما الدور الذي يمكن أن يضطلع به مركزكم؟
الجواب: نعم، نرى أن الوقت قد حان لإنشاء شبكة علمية مشتركة للتراث الحوزوي، بل إن تأخير مثل هذا المشروع قد يؤدي إلى ضياع المزيد من الوثائق والمخطوطات والشهادات الشفوية.
فالتراث العلمي للحوزات لم يعد موجودا في مدينة واحدة أو دولة واحدة، بل هو موزع بين النجف وقم ومشهد وكربلاء وبغداد وطهران وأصفهان ولبنان والهند وباكستان ودول أخرى. وقد توجد أوراق العالم الواحد أو مراسلاته موزعة بين عدة أسر ومكتبات وأرشيفات، ولا يمكن تقديم صورة متكاملة عنها من دون تعاون مؤسسي. ولا نقترح أن تقوم هذه الشبكة بمصادرة أرشيفات المؤسسات أو إلغاء استقلالها، وإنما تكون إطارا للتنسيق والتعاون وتبادل المعلومات، مع بقاء كل مؤسسة مالكة لأصولها وملتزمة بحقوق أصحابها.
ويمكن أن تبدأ الشبكة بمراحل عملية واضحة:
المرحلة الأولى: إعداد دليل شامل بالمؤسسات والمكتبات والأرشيفات التي تحفظ التراث الحوزوي.
المرحلة الثانية: توحيد الحد الأدنى من معايير الفهرسة والتوصيف الرقمي.
المرحلة الثالثة: إنشاء فهرس إلكتروني مشترك يدل الباحث على موضع الوثيقة أو المخطوطة، حتى لو بقيت الصورة الكاملة محفوظة لدى المؤسسة المالكة.
المرحلة الرابعة: تبادل النسخ الرقمية للمواد المهددة بالتلف، ووضع خطط للحفظ الاحتياطي.
المرحلة الخامسة: إطلاق مشروع مشترك للتاريخ الشفاهي، يسجل شهادات العلماء وأبناء الأسر العلمية في مختلف البلدان.
المرحلة السادسة: إصدار كتب وموسوعات ومعارض وأفلام وثائقية مشتركة، اعتمادا على المواد التي تجمعها المؤسسات المشاركة.
أما مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر، فيمكنه أن يؤدي دورا مهما في هذه الشبكة؛ لما يمتلكه من خبرة طويلة في جمع الوثائق والمخطوطات والصور، ولعلاقاته بالأسر العلمية والمؤسسات الحوزوية في النجف، ولما يملكه من أرشيف واسع ومشاريع في النشر والترجمة والتاريخ الشفاهي.
ونحن مستعدون للمساهمة في وضع التصور العلمي للمشروع، وتقديم فهارس أولية من أرشيف المركز، واستضافة الاجتماعات والندوات في النجف، والتنسيق مع المكتبات والأسر العلمية، والمشاركة في إعداد المعايير والبرامج البحثية المشتركة.
إن إنشاء هذه الشبكة ليس مشروعا إداريا محدودا، بل هو مشروع حضاري يحفظ ذاكرة الحوزة العلمية، ويقدمها للأجيال المقبلة وللباحثين في مختلف أنحاء العالم، ويؤكد أن المحافظة على التراث مسؤولية مشتركة لا تستطيع مؤسسة واحدة أن تنهض بها منفردة.
وفي الختام، نؤكد أن مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر مستعد للتعاون مع كل مؤسسة علمية جادة، في العراق وإيران وسائر البلدان، من أجل حفظ التراث الإسلامي والحوزوي، وتحقيقه ونشره وإتاحته للباحثين، خدمة للعلم والمعرفة وصيانة لذاكرة الأمة.
إلى هنا ينتهي حوار «الآفاق» مع سماحة الشيخ محمد الكرباسي، آملين أن يسهم هذا اللقاء في التعريف بجهود مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر، وتعزيز التواصل بين المؤسسات العلمية والبحثية في العالم الإسلامي.