printlogo


printlogo


قبس من نور
حين أصبح الغياب إعدادًا للحضور

لم يكن انتقال الإمام علي بن محمد الهادي(ع) إلى سامراء مجرد انتقالٍ من مدينةٍ إلى أخرى، بل بداية مرحلةٍ جديدة أرادت فيها الدولة العباسية أن تجعل الإمام تحت رقابةٍ مباشرة، وأن تقطع الصلة بينه وبين الأمة.
كانت السلطة تظن أن عزل الإمام عن الناس سيؤدي مع مرور الزمن إلى إضعاف حضور الإمامة، حتى تتحول إلى اسمٍ بلا أثر. لكن الإمام الهادي(ع) قرأ المشهد قراءةً أبعد من حسابات السلطة؛ فلم ينشغل بكسر الحصار المباشر، بل انشغل ببناء ما يبقى بعده. فحوّل الأزمة إلى فرصة، ووضع الأسس التي ستحفظ الرسالة في أصعب الظروف.
ومن هنا جاء اهتمامه بتوسيع شبكة الوكلاء، وهي منظومة عرفها الشيعة منذ عهود الأئمة السابقين، لكنها بلغت في عصره مرحلةً أكثر تنظيمًا ونضجًا. فقد انتشر أتباع أهل البيت عليهم السلام في العراق والحجاز وفارس وخراسان والأهواز وغيرها، وأصبح الوصول إلى الإمام صعبًا بسبب الرقابة، فكان لا بد من رجالٍ يجمعون بين العلم والأمانة والثقة.
اختار الإمام وكلاءه بعناية، فلم يكن معيار الاختيار المكانة الاجتماعية أو كثرة الأتباع، بل الصدق والاستقامة وحسن أداء المسؤولية. وكان الوكيل ينقل أسئلة الناس إلى الإمام، ويبلغهم توجيهاته، ويحفظ وحدة الجماعة من الانقسام أو الاختراق.
ومن أبرز هؤلاء عثمان بن سعيد العمري، الذي نال ثقة الإمام الهادي ثم الإمام الحسن العسكري(ع)، حتى أصبح فيما بعد أول السفراء الأربعة للإمام المهدي(عج). كما برز علي بن مهزيار الأهوازي، وعبد العظيم الحسني، والفضل بن شاذان وغيرهم من الأعلام الذين حملوا رسالة الإمام في مختلف الأمصار.
ولم يكن هؤلاء مجرد ناقلين للرسائل، بل كانوا يحفظون وحدة المجتمع المؤمن، ويواجهون الشبهات، ويربّون الناس على الثقة بالإمامة. وهكذا، بينما كانت السلطة تظن أنها تُضيّق على الإمام بإبعاده عن الناس، كان الإمام يوسّع حضوره في الأمة عبر رجالٍ حملوا علمه وأمانته، فأصبحت الوكالة مدرسةً في التنظيم قبل أن تكون وسيلةً للتواصل.
لكن الإنجاز الأعمق لم يكن في بناء شبكة الوكلاء وحدها، بل في بناء الثقة داخل الأمة. فقد أدرك الإمام أن الأيام المقبلة ستفرض واقعًا لن يكون فيه اللقاء المباشر بالإمام متاحًا كما كان من قبل، ولذلك ربّى أصحابه على أن الارتباط بالإمامة لا يقوم على حضور الجسد وحده، بل على الثقة بالمنهج، والرجوع إلى الأمناء المعروفين بالصدق والاستقامة.
ولم يكن ذلك معالجةً لواقع سامراء فحسب، بل إعدادًا عمليًا للمستقبل. فقد غرس الإمام في نفوس أتباعه أن غياب الإمام عن الأبصار لا يعني غياب الهداية، وأن المؤمن يستطيع أن يحافظ على صلته بإمامه من خلال الالتزام بالحق، والرجوع إلى الثقات، والثبات على المنهج.
وهكذا انتقلت الإمامة في عهد الإمام الهادي(ع) من مرحلة الاعتماد على اللقاء المباشر إلى مرحلة الاعتماد على الوعي والالتزام، وهي نقلةٌ لم تكن تنظيمية فحسب، بل تربويةً وعقدية، وستظهر آثارها كاملةً بعد سنوات قليلة، عندما تدخل الأمة أعظم امتحانٍ في تاريخها.
لقد كان الإمام الهادي(ع) يبني للمستقبل أكثر مما يعالج الحاضر. وحين انتقلت الإمامة إلى الإمام الحسن العسكري(ع)، لم يبدأ البناء من جديد، بل وجد أساسًا متينًا أُرسيت قواعده بالصبر والحكمة وبُعد النظر.
وهنا تتجلى إحدى أعظم خصائص الإمامة؛ فهي لا تتحرك بمنطق ردّ الفعل، وإنما بمنطق صناعة المستقبل. ولذلك لم يكن أعظم إنجازات الإمام الهادي(ع) موقفًا سياسيًا عابرًا، بل أمةً أصبحت أكثر وعيًا، وأكثر قدرةً على حمل الرسالة، وأكثر استعدادًا للمرحلة القادمة.
لقد مضت الدولة العباسية بما امتلكته من سلطان، وبقي ما صنعه الإمام الهادي(ع) من وعيٍ وثقةٍ وتنظيم، لأنه كان يبني الإنسان قبل أن يواجه السلطة، ويؤسس للمستقبل قبل أن يعالج الحاضر.
لكن يبقى السؤال: إذا كان الإمام الهادي(ع) قد أعدّ الأمة لهذا التحول الكبير، فكيف واصل الإمام الحسن العسكري(ع) هذا المشروع وهو يعيش تحت رقابةٍ أشد، وإقامةٍ جبريةٍ أقسى؟ وكيف اكتمل الإعداد لاستقبال أعظم حدثٍ في تاريخ الإمامة؛ غيبة الإمام المهدي(عج)؟