الآفاق- التقريب بين المذاهب على نوعين: أحدهما ممدوح والآخر مذموم. فالتقريب الذي أسّس له المرحوم الشيخ محمد تقي القمي في مصر كان ممدوحاً ولم تشبه أي شائبة. فقد كان يرى أن بين الشيعة والسنة مشتركات، ولكن بسبب الدعايات المسمومة يجهل كلا الطرفين حقيقة الآخر، ولو تعرّف الطرفان على بعضهما البعض بشكل صحيح، لزالت الكثير من الخلافات.
لقد روّجوا بين أهل السنة أن الشيعة «عليّ اللهيّة» (أي يعتقدون بألوهية الإمام علي(ع))، أو أنهم يقولون بعد الصلوات «خان الأمين»، وما إلى ذلك من الادعاءات الباطلة التي تُنسب إلى الشيعة.
ومن العوامل التي تحول دون معرفة أهل السنة للشيعة معرفةً صحيحة، عدم تيسّر وصولهم إلى كتب الشيعة. ويمكننا الاحتجاج عليهم في هذا الصدد؛ فكتب أهل السنة متوفرة في مكتباتنا وغير محظورة، في حين أن كتب الشيعة ممنوعة في العديد من البلدان ذات الأغلبية السنية. من هنا طرح المرحوم الشيخ محمد تقي مسألة التقريب لتتضح القواسم المشتركة ويتعرف الطرفان على بعضهما البعض.
وبالطبع، لم يوافق المتعصبون من أهل السنة على حراكه في البداية، ولعلهم في بادئ الأمر أبدوا معارضتهم لهذه الخطوة. كان الشيخ محمد تقي يقول: "قبل أن نطرح مسألة التقريب، كانوا يقرنون اسمي بالألقاب [الدالة على الاحترام]، ولكن بعد طرح مسألة التقريب أخذوا يقولون: «لماذا يطرحون مسألة التقريب هنا (في مصر)؟ فليذهبوا وليطرحوها في إيران!»". ثم أخذت تلك الألقاب تتلاشى شيئاً فشيئاً حتى اقتصروا على ذكر اسمي المجرّد أي «محمد تقي»، ووصل بهم الأمر إلى أن كتبوا: «تقيٌّ من التقيّة»؛ أي أنهم اعتبروا اسمي مشتقاً من مادة (التقيّة) وليس من مادة (التقوى).
وقد روّج السيد البروجردي أيضاً لهذا التقريب. ففي البداية، ذهب الشيخ محمد تقي إلى مصر مبعوثاً من قِبل الشاه، لكنه تواصل لاحقاً مع السيد البروجردي، وأصبح مسؤولاً عن «دار التقريب» بتكليف منه.
وقد أثمرت جهودهم عن إصدار الشيخ شلتوت فتوى تجيز العمل وفق المذهب الجعفري(ع) في المحاكم القضائية، ولا ريب أن هذه الفتوى كانت بالغة الأهمية في الأوساط السنيّة.
أما التقريب المذموم، فهو ذلك التقريب الذي بدأه نادر شاه؛ حيث كان يقول: يجب أن تكون إيران سنيّة في «الأصول»، أما في «الفروع»، وبما أنهم اعتادوا العمل بأحكام الإمام الصادق(ع)، فلا مانع من بقائهم على المذهب الجعفري. وقد أقرّ بعض علماء الشيعة تقريبَ نادر شاه بدافع «التقيّة»، لأن نادر شاه كان يقتلهم؛ بل إن بعضهم عارضه فقُتل.
المصدر: جرعهاى از دريا (قطرة من بحر)؛ ج ٢، ص ٣٢٦