printlogo


printlogo


نافذة على المقالات
الفردانية المفرطة... حين تتحول الحرية إلى تهديدٍ للأسرة

تسلّط هذه الدراسة، التي أعدّتها الدكتورة فريبا علاسوند، الأستاذة المساعدة في مركز بحوث المرأة والأسرة بالحوزة العلمية في قم، الضوء على أحد أبرز التحولات الحضارية التي تواجه الأسرة في العصر الحديث، من خلال تحليل مفهوم «الفردانية المفرطة» وآثاره العميقة في إضعاف المنظومة القيمية للأسرة.
الأسرة... مؤسسة فطرية في مواجهة التحولات الحضارية
تنطلق الباحثة من مسلّمةٍ مفادها أن الأسرة ليست مجرد نظام اجتماعي نشأ بفعل الظروف التاريخية، بل هي مؤسسة متجذّرة في الفطرة الإنسانية، رسّختها الرسالات الإلهية، وحافظت عبر العصور على منظومة من القيم المشتركة، كالاستقرار، والرعاية المتبادلة، والعلاقة الزوجية الحصرية، والتكافل بين أفرادها. وتمثل هذه القيم ما يمكن وصفه بالنواة الصلبة التي قامت عليها الأسرة في مختلف الحضارات.
غير أن العقود الأخيرة، ولا سيما منذ ثمانينيات القرن الماضي، شهدت تحولات ثقافية وتقنية متسارعة أسهمت في إعادة تشكيل كثير من هذه القيم، وأعادت تعريف مفهوم الأسرة ووظائفها.
الفردانية المفرطة... المحرك الخفي للتحولات
ترى الدراسة أن فهم التحولات التي أصابت الأسرة يقتضي الوقوف عند مفهوم «الفردانية المفرطة» (Hyper-individualism)، الذي لا تراه مجرد اتجاه فكري، بل الركيزة التي يستند إليها المشروع الليبرالي الحديث بعد أن تجاوز حدود التنظير الفلسفي، وأصبح جزءًا من أنماط الحياة اليومية.
وقد أفرز هذا التحول حالةً من اللامعيارية الاجتماعية، انعكست في اتساع النزعة الفردية، وتعاظم الاستهلاك، وتراجع الروابط التقليدية التي كانت تربط الفرد بمجتمعه. وفي ظل هذا المناخ، أصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى إشباع رغباته الخاصة، وأقل اكتراثًا بآثار سلوكه في الآخرين أو في البنية الأخلاقية للمجتمع.
كيف تُقوِّض الفردانية المفرطة القيم الأسرية؟
وتحدد الباحثة ستة مظاهر رئيسة لهذا التحول الحضاري:
أولًا: التمركز حول الذات (Self-centeredness)
يتراجع الاهتمام بالآخر لمصلحة تضخم الـ«أنا»، فتُختزل العلاقات الإنسانية في مقدار ما تحققه من منفعة شخصية. وتغدو شعارات من قبيل: «كن كما تريد» و«أنت أولًا» ثقافةً سائدة، الأمر الذي يضعف قيم الإيثار والتضحية، وهما من أهم الدعائم التي تقوم عليها الأسرة.
ثانيًا: انقلاب المفاهيم الأخلاقية
تشير الدراسة إلى أن عددًا من المفاهيم الأخلاقية اكتسب معاني مغايرة لوظيفتها الأصلية؛ فالتسامح لم يعد يعني حسن المعاشرة واحترام الآخرين، بل أصبح في كثير من الخطابات الحديثة مرادفًا لعدم التدخل في سلوك الآخرين، ولو أفضى ذلك إلى الإضرار بالمصلحة العامة، وهو ما أدى إلى تراجع الوضوح في التمييز بين القيم ونقائضها.
ثالثًا: اختزال الزواج في البعد الجسدي
ومن أخطر مظاهر هذا التحول تقليص مفهوم الزواج إلى مجرد علاقة جنسية، بعد أن كان إطارًا إنسانيًا وأخلاقيًا وحضاريًا متكاملاً. وفي هذا السياق تحوّل الجسد إلى سلعة في أسواق الأزياء والجمال والصناعة الإباحية، بينما غابت الأبعاد الرسالية والاجتماعية التي يقوم عليها الزواج.
رابعًا: سيادة النزعة المادية
وتلفت الباحثة إلى أن تحقيق الرفاه المادي أصبح لدى كثيرين الغاية الأولى في الحياة، حتى غلبت الدوافع الاقتصادية على سائر الاعتبارات. وترى أن هذه النزعة الفردية لا تنسجم مع طبيعة الأسرة التي تقوم على المشاركة، وتحمل المسؤولية، والتخطيط للمستقبل، وتقديم مصلحة الأسرة على الرغبات الفردية.
خامسًا: تراجع المرجعية الدينية
وتؤكد الدراسة أن الفردانية المفرطة همّشت البعد الغيبي في حياة الإنسان، وأفسحت المجال لتضخم الذات على حساب العلاقة بالله تعالى. ولما كانت الأديان قد أدّت عبر التاريخ دورًا محوريًا في حماية الأسرة وترسيخ قيمها، فإن إضعاف حضورها يعني إضعاف أحد أهم مرتكزات البناء الأسري.
سادسًا: صعود «الأنا الجنسية»
وترى الباحثة أن الهوية الإنسانية أخذت تُعرَّف بصورة متزايدة من خلال الرغبات والميول الشخصية، ولا سيما الحرية الجنسية، بدلًا من ارتباطها بالبعد الروحي والانتماء إلى القيم الإلهية. وقد انعكس ذلك في تراجع مكانة الأدوار الفطرية، كالأمومة والأبوة، أمام النزعة إلى التحرر الفردي.
النسوية وإعادة تشكيل الأدوار الأسرية
كما تتناول الدراسة أثر بعض الاتجاهات النسوية في إعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة، وترى أن إنكار الفوارق الفطرية بين الرجل والمرأة أسهم في اضطراب توزيع المسؤوليات الأسرية، وألقى بظلاله على أدوار الأمومة والأبوة، مما زاد من حدة التوترات داخل الأسرة المعاصرة.
الأسرة المقاومة... خيار المستقبل
وتختتم الباحثة دراستها بالتأكيد على أن الأسرة، رغم ما تتعرض له من ضغوط ثقافية وإعلامية، لا تزال تحتفظ بجاذبيتها بوصفها حاجةً إنسانيةً أصيلة. فالرغبة في الزواج، وتكوين أسرة مستقرة، والبحث عن السكينة داخل علاقة دائمة، ما تزال حاضرة لدى الأجيال الجديدة، حتى في المجتمعات الغربية، وهو ما يكشف عن رسوخ الأساس الفطري الذي تقوم عليه الأسرة.
ومن هنا تخلص الدراسة إلى أن مواجهة التحديات الراهنة لا تكون بمجاراة التحولات التي تفرغ الأسرة من مضمونها، بل بالعودة إلى مقوماتها الطبيعية، واستلهام الهدي الديني في توجيه حاجات الإنسان بما يحقق التوازن بين حرية الفرد واستقرار الأسرة.
 
المصدر: نُشرت الدراسة في مجلة «دراسات النوع الاجتماعي والأسرة» (مطالعات جنسیت و خانواده)، وهي مجلة علمية محكّمة، المجلد الثاني عشر، العدد الثاني (العدد المتسلسل: 23)، صيف 2024م، ص 141–166.