مقتطفات
حُجُب الإنسان
إن الالتفات إلى غير الله يحجب الإنسان بحُجُبٍ «ظلمانية» وأخرى «نورانية». فكلُّ أمرٍ دنيوي، إذا صرف الإنسان إلى الدنيا وأورثه الغفلة عن الله تعالى، كان سببًا في نشوء الحجب الظلمانية. فجميع عوالم الأجسام تُعدُّ من الحجب الظلمانية. أمّا إذا كانت الدنيا وسيلةً للتوجّه إلى الحق، وبلوغ دار الآخرة، وهي «دار التشريف»، فإن الحجب الظلمانية تتحوّل إلى حجبٍ نورانية.
و«كمال الانقطاع» هو أن تتمزّق جميع الحجب، ظلمانيةً كانت أم نورانية، ليتمكّن الإنسان من الدخول إلى ضيافة الله تعالى، التي هي «معدن العظمة». ولذلك يطلب أهل المعرفة في هذه المناجاة ــ المناجاة الشعبانية ــ من الله سبحانه أن يرزقهم بصيرة القلب ونوره، حتى يتمكّنوا من خرق الحجب النورانية والوصول إلى معدن العظمة:
حَتّى تَخرِقَ أبصارُ القلوبِ حُجُبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إلى مَعدِنِ العَظَمَةِ.
أمّا من لم يمزّق بعدُ الحجب الظلمانية، وكان همّه كلُّه منصرفًا إلى عالم الطبيعة، وكان ــ والعياذ بالله ــ معرضًا عن الله تعالى، جاهلًا بما وراء الدنيا وعالم الروحانية، و«منكوسًا إلى الطبيعة»، ولم يسعَ يومًا إلى تهذيب نفسه، وإحياء الحركة والقوة الروحية والمعنوية في داخله، وإزالة الحجب السوداء التي أظلّت قلبه، فإنه يقبع في أسفل سافلين، وهو أدنى مراتب الحجب الظلمانية، كما قال تعالى:
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
مع أن الله سبحانه قد خلق الإنسان في أسمى المراتب وأكمل هيئة، فقال عز وجل:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
فالذي يتبع هواه، ولم يلتفت منذ عرف نفسه إلا إلى عالم الطبيعة المظلم، ولم يخطر بباله قط أن وراء هذه الدنيا الملوثة المظلمة دارًا أخرى ومنزلًا آخر، قد غرق في الحجاب الظلماني، وأصبح مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.
إن صاحب القلب الملوّث بالذنوب، المحجوب بالحجاب الظلماني، والروح التي أبعدتها كثرة المعاصي عن الحق تعالى، والمستغرق في عبادة الهوى وطلب الدنيا حتى أعمت شهواته عقله وبصيرته، لا يستطيع أن يتحرر من الحجب الظلمانية، فضلًا عن أن يمزّق الحجب النورانية ويبلغ مقام الانقطاع إلى الله.
وأقلّ ما ينبغي أن يتحلّى به هذا الإنسان هو أن يحتفظ بإيمانه بحيث لا ينكر مقامات أولياء الله، ولا يعدَّ عوالم البرزخ، والصراط، والمعاد، والقيامة، والحساب، والكتاب، والجنة، والنار، أساطير وخرافات. فالإنسان، بسبب المعاصي والتعلّق بالدنيا، ينتهي به الأمر تدريجيًّا إلى إنكار هذه الحقائق، وإنكار مقامات أولياء الله، مع أن تلك المقامات ليست إلا ما وردت الإشارة إليه في الأدعية والمناجاة.
المصدر: الخميني، السيد روح الله، الجهاد الأكبر، ص 45–47.