printlogo


printlogo


کلمة رئیس التحریر
حين يتكلّم الدم... بلغة الحق

ليست الشهادة خاتمةَ الحياة، بل خاتمةَ العبودية. فمن يهب روحه في سبيل الحق، يكون قد تحرّر ـ قبل أن يغادر هذه الدنيا ـ من كل قيدٍ سوى الله. ولهذا اقترنت الشهادة بالحرية الأصيلة اقترانَ الثمرة بشجرتها؛ إذ لا تنبت الشهادة إلا في تربة النفوس المتحررة.
وليست الحرية هي الحرية الأصيلة. فالحرية قد تُعبّر عن الانفكاك من القيود الخارجية، أما الحرية الأصيلة فهي انعتاق الإنسان من أغلاله الباطنية؛ من الخوف والطمع، ومن أسر الدنيا، ومن سلطان الأنا، ومن كل قوةٍ تحاول أن تنتزع منه كرامته. فقد يكون المرء حراً في ظاهره، وهو أسير في باطنه، وقد يعيش آخر في أقسى القيود، بينما تظل روحه محلّقةً فوق كل قيد.
وكانت عاشوراء أعظم مدرسةٍ للحرية الأصيلة. ففي ساعاته الأخيرة، خاطب الإمام الحسين(ع) خصومه داعياً إياهم إلى أن يتحلّوا بالحرية، ليودع التاريخ رسالةً خالدة: إن الحرية الأصيلة قيمةٌ إنسانيةٌ يُخاطَب بها الإنسان حتى لو لم يؤمن؛ لأنها الحصن الأخير الذي يحفظ كرامته، فإذا بقي هذا الحصن قائماً، بقي طريق العودة إلى الحق مفتوحاً.
ومن هنا، لم تكن الشهادة في مدرسة عاشوراء عشقاً للموت، وإنما كانت عشقاً للحياة الكريمة. فالشهيد لا يطلب الموت، وإنما يرفض حياةً يظللها الذل. وعندما يقف الإنسان بين الكرامة والمساومة، وبين العزة والهوان، وبين الحق والمنفعة، تهديه الحرية الأصيلة إلى سبيله، فإذا كان ثمنها الروح، غدت الشهادة أبهى صورها وأسمى تجلياتها.
وما أحوج عالم اليوم إلى الأحرار؛ إلى أولئك الذين لا تستعبدهم ضوضاء الإعلام، ولا تغويهم المصالح الزائلة، ولا تُخضعهم ضغوط الباطل. فحيثما بقيت الحرية الأصيلة حيّةً، بقي الحق ناطقاً، وبقيت ثقافة الشهادة نابضةً، تُعلّم الإنسان أن قيمة الحياة لا تُقاس بعدد سنيها، بل بما هو مستعدٌ أن يبذله في سبيل صيانة الحق والكرامة.