نلاحظ في وقائع عاشوراء نفسها، أنّه عندما تحرّك الإمام الحسين(ع) كان بإمكان مجموعة، من خلال التحاقها به، أن تحوّل تلك النهضة إلى ثورة بنّاءة، لا إلى نهضة دمويّة انتهت بالقتل والشهادة، كان بإمكانهم ذلك! فلو أنّ عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، هذه الشخصيّات التي كانت بارزة في عالم المسلمين في ذلك اليوم، وكانت تسكن في مكّة والمدينة، وهي جميعها من أبناء شخصيّات معروفة في صدر الإسلام، ابن جعفر الطيّار ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ابن الزبير، ابن عمر، ابن عبّاس، لو أنّ هؤلاء الأربعة والذين اسم كلّ واحد منهم عبد الله خرجوا برفقة الإمام الحسين(ع)، لوجدت حركة عظيمة، لم يكن باستطاعة يزيد ولا أعوان يزيد، بدون شكّ، أن يقفوا في وجهها.
انظروا، فهؤلاء وآباؤهم كانوا من الشخصيّات المعروفة في الإسلام. وهذا الأمر كان مؤثّراً جدّاً، فالشخصيّة والسمعة كانتا لَتُسَهِّلانِ له كثيراً من الأمور والأعمال. فهل كان بالإمكان منازعة كلّ هذه الوجوه المعروفة، التي لكلّ واحدة منها عشيرة وأصدقاء ومؤيّدون في عالم الإسلام؟ إذاً لقامت النّاس وتبدّلت تلك الحركة وأحدثت تحوّلاً في السلطة والحكومة.
لولا تراخي هؤلاء الذين ذكرتُهم وأمثالهم، لكان الإمام الحسين(ع) قد خرج بعدّة آلاف، بدلاً من الخروج من مكّة ببضع مئات، تركه بعضهم أثناء الطريق، والقليل بقي في كربلاء. وإذ ذاك هل كان للحرّ بن يزيد في هذه الحالة، أن يقف في الطريق ويمنع الإمام الحسين من الوصول إلى الكوفة؟ ولو وصل إلى الكوفة، هل كان لعبيد الله بن زياد- الوالي الجديد للكوفة- أن يقف أمام هذا الجيش الكبير الذي على رأسه نجباء وشخصيّات معروفة من قريش وبني هاشم؟ و(لكانت) سقطت الكوفة. وبسقوط الكوفة، تسقط البصرة، ما يعني سقوط العراق. ومع سقوط العراق، فمن المتيقّن به أن تلحقه المدينة ومكّة وتسقط الشام أيضاً، وتتغيّر الحكومة، ويتبدّل تاريخ الإسلام. وعوض قرنين من الضغط والتضييق، كانت ستعود حكومة آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، و لو عادت حكومة النبيّ(ص)، لكان من المحتمل جدّاً أن يبلغ الإسلام الذروة في العالم، بدلاً من ١٤ قرناً من الانزواء، ولعلّ الحضارة اليوم والصناعة، والتكنولوجيا، والعلم والثقافة كانت ستكون مختلفة كلّيّاً عمّا هي عليه الآن.
ولعلّه لو حصل ذلك الأمر، لما عانت البشريّة عندها من كلّ هذا الشقاء والبؤس، ومن كلّ هذه الآلام والغصص والفقر وانعدام الأخلاق والجهل، والحروب وسفك الدماء. وكان العالم اليوم متقدّماً ١٠٠ سنة عمّا هو عليه حاليّاً. فأيّ شخص باستطاعته أن ينكر حجم الاستعدادات والقدرات التي أبادتها الضغوط والمحن على مرّ هذه السنوات المتمادية؟ فلولا المحن والضغوط، ولولا الحكومات الطاغوتيّة، لتفتّحت هذه الاستعدادات وانطلقت وأثمرت، ولعمرت الدنيا وتبدّلت عمّا هي عليه حالياًّ.
كيف سُدّ هذا النبع، الذي لو جرى لكان بإمكانه أن يروي الدنيا بأسرها؟ هناك في ذلك الموقف عندما شاهدت بعض هذه الشخصيّات الكبيرة الإمام الحسين(ع) يتحرّك وقال لهم: هيّا تحرّكوا، ضربوا كفّاً على كفّ وقالوا له: الآن، الظروف ليست مؤاتية! الآن العدوّ قويّ، ولا يصحّ. وعندما قالوا له: الآن، فهم جعلوا الزمان دخيلاً، وجعلوا الظروف دخيلةً.
لم يقل الإمام الحسين "الآن"، لا! بل قال: هي وظيفتي، ينبغي أن أقف وأقول الحقّ، يجب أن أنير الأذهان وأذكِّرها. فلو نجحت فهو، وإلّا فإنّي بعملي هذا أُذكِّرهم بما عليهم القيام به، هذا هو منطق الإمام الحسين(ع)، فيا ليتهم مضوا معه!.
المصدر: مکتبة المعارف الإسلامیة