مدخل
الآفاق- شهد عهد الرسول محمد(ص) عقب حجة الوداع واقعة الغدير المفصلية أمام آلاف المسلمين، حيث خطب بخطبةٍ أثبت فيها الولاية للإمام علي(ع). ويؤكد هذا المقال للسيد محمد باقر السيستاني إجماع علماء الأمة ونقاد الحديث على ثبوت الواقعة تاريخياً وحديثياً بالخبر الصحيح والمتواتر ، مفنداً الشبهات والمواقف الشاذة التي حاولت التشكيك فيها.
ملخص المقال:
تُعدّ واقعة الغدير من الوقائع التاريخية المفصلية والمهمة التي شهدها عهد الرسول محمد(ص) عقب رجوعه من حجة الوداع متوجهاً إلى المدينة المنورة. وقد جرت هذه الواقعة أمام آلاف المسلمين، حيث خطب النبي(ص) خطبةً بليغة أثبت فيها الولاية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع). يتمحور الحديث حول ثبوت هذه الواقعة تاريخياً وحديثياً ضمن نقطتين رئيسيتين:
النقطة الأولى: الاتفاق على ثبوت واقعة الغدير
• إجماع علماء المسلمين: لا يتطرق الشك إلى علماء المسلمين قاطبةً حول ثبوت واقعة الغدير وأصل عقد الولاء للإمام علي(ع). وقد أورد عامة أصحاب السير هذه الواقعة ضمن أحداث شهر ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، وتلقوها كحدث تاريخي بارز ومعلوم لا غبار عليه.
• موقف أهل الحديث ونقاده: نقل أهل الحديث الواقعة في كتبهم وصححها عامة العلماء والنقاد في مصنفاتهم الخاصة بالسيرة النبوية أو تلك المؤلفة في فضائل الإمام علي(ع).
• حالات الإهمال النادرة (ابن هشام والبخاري):
o ابن هشام: انفردت فئة نادرة جداً بإهمال ذكر الواقعة. ومن ذلك ما فعله ابن هشام في سيرته (التي هي اختصار لسيرة ابن إسحاق) حيث حذفها بداعي التلخيص والإيجاز. ويُعد صنيعه هذا مخلّاً بالمنهج العلمي وبمقتضيات الأمانة، وموجباً للتعجب، وإن كان إعراضه لا يعني إنكاراً للواقعة عند علماء التاريخ. فلا يصح إهمال حدث جماهيري شهده الآلاف، لا سيما وأن بناء التاريخ يقوم على ذكر الأحداث المشهورة دون التشدد في رجال الإسناد كما هو دأب المحدثين.
o الإمام البخاري: أعرض البخاري عن إيراد الحديث في صحيحه من دون قدح صريح فيه. وقد استدرك عليه ذلك جماعة من النقاد المتقدمين (كالذهبي) والمتأخرين (كالألباني)، مؤكدين أن الحديث صحيح على شرط البخاري (أي أن رواته هم ممن روى لهم البخاري في صحيحه).
• أسباب الإعراض وعلم الحديث: إن عدم ذكر الحديث لا يدل أبداً على إنكاره أو نفي صحته عند أهل الفن. بل إن الإعراض لدى بعض المحدثين كالبخاري يعود لأسباب أخرى غير الشك في الصحة؛ مثل تجنب تمسّك "أهل البدع" بالحديث، حيث كانت خطبة الغدير المستمسك الأساسي لإمامة أهل البيت(ع) التي اعتبرتها مدرسة الخلافة بدعة.
• شهادة البخاري ومسلم: عدم رواية البخاري ومسلم للواقعة ليس شهادة نافية لثبوتها. فالعلماء والنقاد يعلمون يقيناً أن الشيخين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة على شرطهما. والدليل القاطع على ذلك وجود أحاديث كثيرة تركاها رغم أنها رويت بنفس الأسانيد والرواة الذين اعتمدوهم في صحيحيهما. وواقعة الغدير هي مصداق لذلك، حيث إن العديد من طرقها صحيحة وفق شروط الشيخين (من ثبوت اللقاء أو المعاصرة، وشهرة الراوي، وضبطه وملازمته، وحكم تفرده).
• المواقف الشاذة (ابن تيمية): لم يشذّ صراحةً في التشكيك بأصل الواقعة إلا ابن تيمية في بعض كلماته. وقد قوبل موقفه هذا بنقد لاذع واعتُبر خروجاً عن الموازين العلمية وتسرعاً ناشئاً من التحوّط لسلامة عقيدة مدرسة الخلافة. ولابن تيمية زلات متعددة مشابهة في تضعيف روايات فضائل أهل البيت(ع) يعرفها من سبر منهجه. ومع ذلك، فإن هذا الموقف الشاذ قد انقرض اليوم في أوساط المسلمين، واتفق الجميع على صحة الواقعة والخطبة وفق موازين الجرح والتعديل.
النقطة الثانية: ثبوت واقعة الغدير بالثبوت التاريخي والمتواتر والصحيح
إن اعتبار حديث الغدير لا يقتصر على كونه "خبراً صحيحاً" باصطلاح المحدثين، بل يرتفع إلى رتبة الحدث التاريخي المشهور والخبر المتواتر. ولأهميته، خصه جماعة من كبار النقاد والمحدثين بمصنفات مفردة، ومنهم:
1. الإمام الطبري: (صاحب التاريخ والتفسير) ألّف كتاباً مفرداً في جزأين لإثبات الحديث عندما بلغه تشكيك البعض فيه.
2. ابن عقدة الزيدي: الحافظ المشهور الذي استوعب طرق الحديث، ووصف ابن حجر العسقلاني طرقه بأن منها الصحاح ومنها الحسان. كما اهتم علماء آخرون برصد طرقه ورواته وشواهده التاريخية والأدبية، مثل صاحب كتاب "عبقات الأنوار"، والعلامة الأميني في كتابه الشهير "الغدير".
الطرق المعهودة لثبوت الوقائع والأقوال
ثبتت واقعة الغدير عبر جميع الأنواع الثلاثة المعهودة علمياً لإثبات الوقائع والأقوال:
1. الطريق التاريخي
• التعريف: هو حصول الوثوق بالواقعة الاجتماعية العامة وفق المعتاد في رواية التاريخ ما لم يكن لها معارض.
• تطبيقه على الغدير: إن خلق واقعة بهذا الحجم حضرها 10 آلاف رجل على الأقل (وقيل عشرات الألوف وفيهم وجوه المهاجرين والأنصار) دون أن تكون قد وقعت أصلاً، أو تزوير نصوصها، هو أمر مستحيل ومظنة للانكشاف، وهو ما يتجنبه الرواة. ولا يوجد أي حديث معارض ينفي الواقعة.
• القيمة العلمية: هذا الطريق هو المعوّل عليه في إثبات عامة أحداث السيرة النبوية التي رويت غالباً كأخبار مراسيل دون أسانيد متصلة (ثقة عن ثقة). وحادثة الغدير أولى بالثقة من جلّ حوادث السيرة لأن حجمها أوسع ومؤشرات كذبها -لو كانت كاذبة- ستكون أوضح، لكونها تتناول موضوعاً حساساً وخطيراً. وينتمي هذا الطريق إلى نوع أعم يعتمد على احتفاف الخبر بالقرائن المؤكدة وتعدد الرواة وإذعان المؤرخين.
2. الطريق الروائي المنقول على سبيل التواتر
• التعريف: تعدد حكاية الخبر من طرق مختلفة يوثق بعدم نشوئها عن أصل واحد أو اقتفاء عشوائي.
• تطبيقه على الغدير: ثبت تواتر جملة (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) عند جماعة من نقاد محدثي أهل السنة الذين اطلعوا على سعة طرقه ومصادره. وتيقُّن هذا التواتر يحتاج من الباحث معرفةً بعلوم الحديث وتاريخه وطبقات الرواة، وإلا توهّم الناظر البعيد عن الفن أن الحديث وضعه شخص واحد واقتفاه الضعفاء.
3. الطريق الروائي المعتمد (الصحيح أو الحسن)
وينقسم عند المحدثين إلى ضربين:
• الضرب الأول (الصحيح لذاته): الاعتماد على الثقة بآحاد الرواة في جميع طبقات الإسناد المتصل إلى النبي(ص). وهذا الطريق تامٌّ في واقعة الغدير مهما تشدد الباحث في شروطه. وقد صرح النقاد بثبوته على شروط البخاري ومسلم. بل إن حديث الغدير أولى بالثقة من جلّ روايات الصحيحين عند المقارنة بين الطرق وأوصاف الرجال، ولهذا صحح طرقه جهابذة كالذهبي وابن حجر، في حين توقف بعضهم في صحة بعض أحاديث الصحيحين.
• الضرب الثاني (الصحيح لغيره): الاعتماد على تقوية الطرق الحسنة بعضها لبعض من خلال الشواهد والمتابعات وفق ضوابط علم الدراية. وجملة من طرق واقعة الغدير هي طرق حسنة واجدة لشرائط الثقة بالتقوية والمتابعات كما نص عليه النقاد.
خلاصة رد المؤلف على المتطفلين على العلم: ينتهي المقال بالرد على بعض المبتدئين الذين يحاولون تضعيف الحديث اعتماداً على منهج واهم وخاطئ؛ حيث يقعون في خطأين فاحشين: أولاً إهمال تصريحات الأئمة بتواتر وصحة الحديث (ومنهم الألباني الذي يستدلون بتضعيفه لبعض الطرق ويغفلون عن تصحيحه لأصل الحديث) ، وثانياً توهُّمهم أن عدم رواية البخاري أو مسلم للفظ الحديث يعدّ مؤشراً سلبياً، وهو جهل مركب بقواعد فن الحديث وممارسات الشيخين في ترك الكثير من الأحاديث الصحيحة المستوفية لشروطهما.
المصدر: شبکة الفجر الثقافیة (باختصار)