printlogo


printlogo


ملاحظة
الإسلام في ميزان الإمام الخمیني (قد)
رئیس التحریر

مع حلول الذكرى السابعة والثلاثين لرحيل الإمام الخميني (قد)، لا تغدو قراءة فكره مجرد طقس رمزي، بل ضرورة استراتيجية لعالم التشيع والمسلمين عموماً. ففي أروقة الفكر والحوزات اليوم، ثمة استقطاب حاد يتشكل بين ما يُسمى بـ «الإسلام الرحماني» و«الإسلام السياسي»، حيث يحاول كل طرف اختزال إرث الإمام في قالبه الخاص. والحقيقة أن هذه الثنائية هي نتاج استيراد فكري وتسطيح متعمد يبتغي إقصاء «الإسلام المحمدي الأصيل» عن حقيقته. فالإمام الخميني لم يكن رجل «سياسة بالمفهوم النفعي»، ولا كان يؤمن بـ «العرفان الانعزالي»، بل كان يؤمن بالإسلام كنظام حضاري شامل.
 1. تأصيل الانحراف: الهروب من المسؤولية تحت عباءة «الرحمانية»
لقد برز تيار «الإسلام الرحماني» في السنوات الأخيرة – متأثراً بطروحات دينية حداثية ونظريات غربية – ليؤكد على مفاهيم مثل «التسامح المطلق» و«الأخلاق الفردية»، محاولاً تقديم صورة محايدة للدين، تسعى لاستئصال البعد الاجتماعي والسياسي من صلب التدين.
تتذرع هذه الرؤية بأن «الإسلام المسيس» قدّم صورة عنيفة عن الدين، مما دفع الجيل الشاب للنفور منه. ومن هنا، يحاولون اختزال شخصية الإمام في صورة العارف المنعزل، مصادرين أبعاد «الحزم» و«الحاكمية» في الإسلام لصالح «عرفان لا مبالٍ». في منطق هؤلاء، الدين ليس سوى وسيلة للسمو الشخصي، ويجب على المؤسسات الدينية أن تنأى بنفسها عن أي هموم إجرائية أو سيادية.
 2. نقد «الإسلام السياسي» المفرغ من مضمونه
على الضفة المقابلة، يظهر تيار آخر يختزل «الإسلام السياسي» في كونه مجرد «أيديولوجيا سلطوية». هذا المنظور – رغم تأكيده على النضال – قد يقع في فخ «التكنوقراطية» أو الجمود، حيث تتحول قيم العدالة والاستقلال والعزة إلى أدوات لإدارة السلطة، بعيداً عن جذورها التوحيدية والأخلاقية. وقد حذر الإمام الخميني مراراً من هذا المنحى، الذي يجعل «حفظ النظام» غاية بحد ذاته، متجرداً من روح «الرأفة والرحمة الإسلامية».
 3. إرث الإمام: «الإسلام الأصيل» يتجاوز الثنائيات
إن فكر الإمام الخميني في الحوزات العلمية في إيران، والعراق، ولبنان، وسائر الحواضر الشيعية، يمثل الجسر الذي يعبر فوق هذه الثنائيات المصطنعة:
 الرحمة توأم الحزم: كان الإمام «أشداء على الكفار» و«رحماء بينهم». رحمانية الإمام لم تكن من جنس الضعف أو الانفعال، بل كانت رحمانية تتجلى في «إقامة العدل». ومن منظوره، فإن أعظم خدمة للإنسانية هي مواجهة الظالم الذي ينتهك حقوق الناس، وبالتالي فإن محاربة الاستكبار هي عين «الرحمة» للمظلومين.
 السياسة عين الديانة: عبر طرحه لولاية الفقيه، أثبت الإمام أن السياسة في الإسلام ليست أمراً عرضياً أو أداة للوصول للسلطة، بل هي امتداد لرسالة الأنبياء. هذا الرؤية حوّلت «الانعزال المعنوي» في الحوزات إلى «جهاد اجتماعي».
 4. تحديات العالم الإسلامي اليوم
يواجه العالم الإسلامي اليوم أزمات معقدة، وتواجه الحوزات العلمية تحديين جوهريين:
1. أزمة النماذج: يحاول الأعداء استغلال النواقص في ممارسات الحكم الديني لتصوير الإسلام كنموذج فاشل. بينما يرى «الإسلام الرحماني» أن الحل هو العودة لما قبل الثورة، نرى أن الحل يكمن في «الكفاءة» و«العدالة».
2. خطر التجزئة: في المجتمعات الإسلامية خارج إيران، يختلط «الإسلام السياسي» أحياناً بتحديات طائفية أو قومية. لقد أكد الإمام دائماً على «الأمة الواحدة»، لذا فإن إرثه يتطلب تجاوز الحدود الجغرافية والمذهبية لتشكيل جبهة المستضعفين.
 5. خارطة طريق لإحياء فكر الإمام
للخروج من هذه المآزق الفكرية، لابد من العودة إلى «صحيفة الإمام» وسيرته العملية:
 العقلانية الثورية: علينا تقديم الإسلام كنظام متكامل يلبي احتياجات الإنسان المعاصر الروحية بعرفان غير منفعل، واحتياجاته الاجتماعية بعدالة هيكلية.
 التأصيل الحضاري: الإسلام السياسي عند الإمام هو مشروع حضاري. يجب أن ننتقل من البحوث الفقهية المجردة إلى «الفقه الحضاري» الذي يقدم حلولاً إيجابية للاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.
 المعنوية الملحمية: نحن بحاجة لمعنوية تربط الإنسان بالخالق وتدفعه في الوقت ذاته لتحمل المسؤولية الاجتماعية كواجب ديني.
 خاتمة: إرثٌ حيّ لا يموت
إن إرث الإمام الخميني لا يكمن في المتاحف أو الكليشيهات الإدارية أو زوايا الغرف المغلقة بعيداً عن أوجاع الناس. إرثه هو «الإسلام المحمدي الأصيل»؛ الإسلام الذي فيه «العدالة» غاية، و«الأخلاق» أساس، و«السياسة» أداة لإحقاق الحق على الأرض.
إن الواجب اليوم هو الوقوف بشجاعة ضد «الانحراف الرحماني» (الذي يريد ديناً بلا مخالب) و«الانحراف السياسي العلماني» (الذي يريد ديناً كأداة للسلطة). لقد علّمنا الإمام أن الإسلام هو مدرسة تجمع بين تهذيب النفس وبين الإطاحة بالطغاة. وهذان الأمران لا يتناقضان، بل يكمل أحدهما الآخر. فمن يسعى لنفي أحدهما بدعوى الآخر، إنما يحرف حقيقة الإسلام الذي أفنى الإمام عمره من أجل إعلائه.