لا يمثّل واقعة «غدير خمّ» مجرد محطة تاريخية عابرة، بل هي التجلي الأسمى للقيادة الإلهية التي ضمنت استقامة المسيرة النبوية. إنّ مفهوم «الولاية» في الفكر الشيعيّ ليس دعوة للفرقة أو الانعزال، بل هو اعتصام بحبل الله المتين لدرء الفتن وحماية صفوف الأمة من التشتت. ويعدّ عيد الغدير أعظم أعياد الإسلام، لما يختزله من طاقات روحية وفكرية قادرة على صهر جهود المسلمين في بوتقة الوحدة والأخوة لمواجهة الأخطار المحدقة.
وفي ظلّ الاستراتيجيات الاستعمارية التي تسعى لتمزيق جسد الأمة، تبرز ضرورة استراتيجية لقراءة الغدير بوصفه مشروعا نهضويا. إنّ التبيين الواعي لهذا الحدث الجليل لا يرتكز على إذكاء الخلافات المذهبية، بل على استحضار مفهوم «الإمام الواحد» كمرجعية إلهية توحد القلوب وتضاعف طاقات الأمة في وجه أعدائها المشتركين، مؤكدة أنّ عزة الإسلام لا تنال إلا بالالتفاف حول راية الحقّ والعدالة.
تلقى الحوزات العلمية وعلماؤها على عاتقهم مسؤولية جسيمة في تبيين هذه الحقيقة المتعالية. ويتمثل الدور المنشود في تجاوز السجالات الكلامية العقيمة، واستخراج القيم الوحدوية الكامنة في أعماق واقعة الغدير. وقد أكدت المرجعيات الدينية مرارا على وجوب طرح المبادئ الاعتقادية بحكمة وتأدب، مع تجنب الإساءة لمقدسات المذاهب الأخرى، تحويلا للغدير إلى رمز للوئام الوطنيّ والإسلاميّ، وتقديمه كنموذج متكامل للحكم العادل والتماسك الاجتماعي.
إنّ العالم اليقظ هو من يحوّل معارف الغدير إلى بلسم للأخوة، وسدّ منيع في وجه التغلغل الأجنبي. وفي خضمّ الحملات الإعلامية الرامية لتحريف الحقائق، بات خروج الغدير من أطر النقاشات الضيقة إلى رحاب «الوحدة الإسلامية» ضرورة حتمية. إنّ الغدير يبقى الميثاق العظيم الذي يلهم المسلمين التكاتف صفا واحدا؛ ليصنعوا، من خلال هذا الرابط السماويّ، سدا منيعا يصدّ طموحات المتربصين ويحفظ للأمة هيبتها وعزتها.