کلمة رئیس التحریر
عيد الأضحى؛ مِنى الأمّة القانية وجغرافية الاستفاقة
يُمثّل عيد الأضحى، بما يتجاوز أبعاده الطقسية والتقليدية، بياناً عالمياً للتحرر من أسر الخوف، والتعلّق، والمهادنة. لقد علّم إبراهيم(ع) التاريخَ عبر عبوره المنتصر في اختبار ذبحِ أعزّ ما يملك، أن العبودية الحقيقية لا تتجلى إلا بالإخلاص التام في محراب الحق، والتضحية بالذات في سبيل الغايات الإنسانية السامية.
ولكن اليوم، لم تعد "مِنى" مجرد نقطة جغرافية في أرض الحجاز؛ بل إن الجسد المثخن بالجراح للأمة الإسلامية قد تحول بأسره إلى "مِنى" تجسد المظلومية والصمود. فمن ثرى غزة وفلسطين المضمخ بالدماء، إلى كل أرض يرزح أهلها تحت وطأة الاحتلال، والحصار، والإرهاب، والهيمنة، يتشكل مسلخٌ معاصر. إن ثمن الصمود اليوم في وجه الإذلال العالمي، يدفعه المظلومون من دمائهم الطاهرة لأنهم انتفضوا ضد النظام الدولي الجائر.
وفي خضم هذه الأحداث، لا تكمن رسالة الحوزات العلمیة والعلماء الواعين بزمانهم في الحضور التشريفي والهامشي؛ بل إن الحوزات العلمية، بصفتها وريثة لنهج الأنبياء، يجب أن تكون النبض الحقيقي لآلام الأمة، وأن تتصدر قلب المعركة ضد الظلم والجور. إن العالم الإسلامي اليوم أحوج ما يكون إلى الصوت الهادر للنخب الفكرية، لكي يُعبّئوا الضمائر الحية ضد موجات التحريف والظلم، من خلال تبيين النماذج الأصيلة لـ "الردع الإسلامي" و"بناء الحضارة". إن الدفاع عن الكرامة الإنسانية جزء لا يتجزأ من حقيقة الدين التي تتخطى الحدود الجغرافية والقومية.
إن عيد الأضحى المعاصر هو ملتقى "الإيمان" و"المسؤولية الاجتماعية"؛ فالاستعداد للتضحية في سبيل العدالة والعزة هو البذرة التي تزرع الوعي والوحدة في روح الأمة. ورغم استمرار جرائم المستكبرين في هدم البيوت وإطفاء منارات الأمل، إلا أن التاريخ يشهد بأن الشعوب التي تثور لأجل كرامتها، ستصنع مستقبلها بأيديها في نهاية المطاف. إن دم المظلوم، إذا أُريق في سبيل الحق والعدالة، لن يضيع أبداً في غبار الزمان، بل سيؤول حتماً إلى فجر الاستفاقة والحرية.