الآفاق- في ظل الظروف التي قد تستهدف فيها تهديدات العدو وعدوانه أمن الدولة الإسلامية وبناها التحتية وشرايينها الحيوية، لم يعد الحديث عن «الردع» مجرد شأن عسكري، بل غدا مسألة ذات أبعاد فقهية وحقوقية وسياسية واستراتيجية واضحة. والسؤال الجوهري هنا هو: تحت أي عنوان يندرج الردع في الفقه الإسلامي؟ وما حدوده؟ وإلى أي مدى تكون المعاملة بالمثل مشروعة، بل لازمة، في مواجهة العدوان المباشر؟ وما يلي هو عرض فقهي لنموذج الردع في الدولة الإسلامية تجاه الأعداء.
من الناحية الفقهية، يندرج الردع في مواجهة العدو تحت عنوان «إرهاب أعداء الله»، كما ورد في الآية الكريمة 60 من سورة الأنفال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
وبحسب هذه الآية، فإن إعداد مختلف عناصر القوة والقدرات اللازمة لمواجهة الأعداء يجب أن يكون على نحو يفضي إلى إرهابهم وتخويفهم، أي إلى إلقاء الرهبة في نفوسهم بما يمنعهم من الإقدام على مهاجمة الدولة الإسلامية.
وعليه، فإن الهدف من توفير القوات والإمكانات القتالية لا يقتصر على تمكين المسلمين من الرد إذا وقع العدوان، بل يتجاوز ذلك إلى جعل إعداد القوة في مستوى يرفع كلفة الهجوم على الدولة الإسلامية إلى حد يدفع العدو إلى الإحجام عنه من الأساس، وهذا هو معنى الردع.
متى يتحقق الردع؟
الردع لا يتحقق إلا إذا توفرت له جملة من الشروط:
أولًا: أن تُوفَّر جميع الإمكانات اللازمة لإرهاب العدو وتخويفه، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو دولية أو غير ذلك.
ثانيًا: أن تكون هذه الإمكانات والقدرات متناسبة مع حجم الأخطار التي يفرضها أعداء الإسلام على أرض الإسلام، بل أن تتجاوزها، فلا تكون مساوية لها فحسب، لأن الردع لا يتحقق إلا إذا شعر العدو بأن كلفة عدوانه ستكون أعلى من قدرته على الاحتمال، وإلا فلن يصدق معنى قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
ثالثًا: أن يكون لإعداد القوة وإظهارها أثر خارجي ملموس، بحيث تُظهر الحكومة الإسلامية لأعدائها، مع مراعاة المتطلبات الأمنية، عبر المناورات العسكرية ونحوها، أنها تمتلك من عناصر القوة ما يكفي لرفع كلفة أي هجوم محتمل إلى مستوى لا يحقق للعدو أي مصلحة، لا على المدى القريب ولا على المدى البعيد.
ماذا بعد تراجع المعتدي؟
في ضوء ما تقدم، يتضح الجواب عن السؤال القائل: بعد تراجع المعتدي، تحت أي عنوان فقهي تندرج معاقبته بهدف الردع؟
الجواب أن العدو، بعد هزيمته، يجب أن يتحمل كامل الخسائر التي تسبب بها جراء اعتدائه على أرض الإسلام والمسلمين. فإلزامه بالتعويض لا ينسجم فقط مع القاعدة العقلائية والنقلية في الإتلاف والتسبيب، بل يؤدي أيضًا وظيفة ردعية قائمة على ضرورة إرهاب العدو وتخويفه، إذ إن تحميله كامل تبعات عدوانه من شأنه أن يجعله يندم على فعلته ويصرفه عن التفكير في تكرارها.
كذلك، فإن الحكومة الإسلامية، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، مطالبة بتشخيص مواطن الضعف التي ربما أغرت العدو بالهجوم نتيجة خطأ في حساباته، من أجل تداركها، والوفاء بتكليف إعداد القوة على نحو يحقق الردع ويحول دون وقوع عدوان جديد في المستقبل.
هل يرتبط الردع بمستوى عدوان العدو؟
كما يتبين من العرض السابق أن حدود الردع ليست رهينة بمستوى العدوان القائم وحده، لأن الردع لا يكون فعّالًا إلا إذا امتلكت الدولة الإسلامية قوة تفوق، بصورة محسوسة وواضحة، مستوى التهديد والعدوان المحتمل من جانب العدو، بحيث يدرك أن مهاجمة أرض الإسلام ستترتب عليها كلفة باهظة تدفعه، وفق منطق الكلفة والمنفعة، إلى العدول عن فكرة العدوان أصلًا.
المعاملة بالمثل: هل هي جائزة أم واجبة؟
أما في ما يتعلق بالسؤال القائل: إذا كان العدو الأمريكي–الإسرائيلي يعمد إلى تدمير المنشآت النفطية والشرايين الحيوية للدولة، فهل تجوز المعاملة بالمثل؟ وما حدودها؟ فالإجابة، بوضوح، هي نعم.
فأصل جواز المعاملة بالمثل منصوص عليه صراحة في الآية ۱۹۴ من سورة البقرة:
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُم
و الآیة 126 من سورة النحل:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
وعندما تُقرأ هاتان الآيتان إلى جانب قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فإنها تدل على أن المعاملة بالمثل قد ترتقي إلى مرتبة الوجوب، لأن الردع في مواجهة العدو لا يتحقق من دون ردٍّ متناسب يثنيه عن تكرار عدوانه.
وبعبارة أخرى، إذا لم يواجه العدو، بعد تدميره المنشآت النفطية وإلحاقه الأذى بالدولة الإسلامية، ردًّا يتناسب مع فعله، فإنه سيزداد جرأة على شن هجمات جديدة. ومن هنا، يجب على الحكومة الإسلامية، من أجل إرهاب العدو وتخويفه ومنعه من تكرار سلوكه، أن تلجأ إلى المعاملة بالمثل.
حكم استخدام العدو للدروع البشرية
وتشير المصادر الفقهية، كما في جواهر الكلام، الجزء 21، الصفحتان 68 و69، إلى أنه إذا اتخذ أعداء الإسلام أبرياء دروعًا بشرية، بحيث لا يمكن التغلب عليهم إلا بإزالة هذا الدرع البشري، فإن ذلك يكون جائزًا بل واجبًا، لأن تركه يعرّض حياة أعداد أكبر بكثير من الأبرياء للخطر.
وبناءً على قاعدة دفع الأفسد بالفاسد، عقلًا ونقلًا، يصبح رفع هذا الدرع البشري لازمًا، فضلًا عما إذا كان التغلب على العدو متوقفًا على تدمير منشآته النفطية أو غيرها من إمكاناته الحيوية.
ما مواصفات نموذج الردع؟
أما في ما يتعلق بنموذج الردع، فإن ضابطه الأساس هو أن تعمل الدولة الإسلامية على إعداد القوة وتوفير الإمكانات في كل المجالات التي من شأن امتلاكها أن يمنع الأعداء من مهاجمتها أو الإضرار بها.
ولا يتحقق هذا التكليف على الوجه الصحيح إلا إذا توافرت فيه الخصائص الآتية:
أولًا: أن يكون هذا الإعداد أكبر بكثير من القدرة العملياتية للأعداء، بحيث يردعهم عن أي ضرر يمكن أن يحقق لهم مكاسب قصيرة الأمد أو بعيدة الأمد.
ثانيًا: ألا يقتصر إعداد القوة على البعد العسكري وحده، لأن النجاح العسكري يحتاج إلى دعم من المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية؛ ومن ثم، يجب على الدولة الإسلامية أن تبني قوتها بصورة منسقة ومتكاملة في جميع المجالات المرتبطة.
ثالثًا: أن يقوم إعداد القوة في مختلف المجالات على الإنتاج الداخلي، لا على الاعتماد على الدول الأخرى، لأن ذلك يمسّ الاستقلال العسكري والاقتصادي للدولة الإسلامية، ويفتح الباب أمام التبعية للخارج وما قد يترتب عليها من استغلال أو تحالفات محتملة مع أعداء الإسلام.
رابعًا: أن يكون إعداد القوة على نحو لا يحقق الردع فحسب، بل يمنع العدو أصلًا من التلويح بالتهديد، لأن مجرد امتلاك الأعداء جرأة التهديد يعني إبقاء شبح الحرب مسلطًا على المسلمين، وهو ما يخلّف آثارًا خطيرة على الدولة الإسلامية ويقوّض الأمن النفسي للمجتمع. ولذلك، فإن نموذج الردع في الدولة الإسلامية ينبغي أن يكون شاملًا، متكاملًا، وقائمًا على استشراف المستقبل.
والحمد لله رب العالمين.