في الأوّل من شهر ذي الحجّة، تتألّق الذاكرة الإسلاميّة بذكرى مباركة وعزيزة على القلوب، ذكرى زواج النورين: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع)، وسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(س). وهي مناسبة لا تُستحضر بوصفها حادثة تاريخيّة عابرة، بل باعتبارها مدرسةً حيّةً في معنى الزواج، وقدسيّة الأسرة، ورسالة البناء الإنساني الذي أراده الله تعالى للناس. ومن أروع ما يلفت النظر في هذا الباب، ما ورد عن النبيّ محمد(ص) حين أطلق على الزواج اسم البناء، فقال: "ما بُنيَ بناءٌ في الإسلام أحبُّ إلى الله من التزويج". إنّه تعبير بالغ العمق، يفتح أمامنا أبواب التأمّل في ماهيّة الزواج، وفي سرّ كونه أحبّ بناء إلى الله.
فالزواج في المنظور الإسلامي ليس مجرّد ارتباط اجتماعي، ولا عقدًا شكليًّا لتسيير شؤون الحياة اليوميّة، وإنّما هو بناءٌ بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى. والبناء لا يقوم على التمنّي، ولا يثبت بالزينة الخارجيّة، بل يحتاج إلى أساس، ومهندس، وصبر، وتقدير، ومعرفة بطبيعة الأرض التي يُشاد عليها. وكذلك الحياة الزوجيّة؛ لا تُقام على الانفعال العابر، ولا على الانبهار المؤقّت، وإنّما تُبنى على الفهم، والثقة، والتكافؤ، والرحمة، وتحمل المسؤوليّة.
وحين نتأمّل في هذا التشبيه النبويّ الرائع، ندرك أنّ كِلا الزوجين مدعوّ إلى أن يكون مهندسًا في هذا البناء. فكما أنّ المهندس يدرس الموادّ التي يبني بها، ويقيس الصلابة، ويتأكّد من القدرة على الاحتمال، ويضع خطّةً تضمن الاستمرار والثبات، كذلك ينبغي لكلّ من الرجل والمرأة أن ينظر إلى الآخر بعين الوعي والبصيرة. فليست المسألة أن يُعجب أحدهما بمظهر الآخر أو ببعض صفاته السريعة، بل الأهم أن يطمئنّ إلى معدن شخصيّته، ومتانه عقله، وصدق أخلاقه، وسلامة نيّته، وقدرته على حمل أعباء الطريق الطويل.
ومن هنا، فإنّ التعبير عن الزواج بأنّه "أحبّ البناء" يحمل رسالة بليغة: أن الأسرة ليست مشروعًا صغيرًا في حياة الإنسان، بل هي المشروع الأعمق والأبقى أثرًا. فقد يشيّد الإنسان بيتًا من الحجر، أو يبني مكانةً في المجتمع، أو يحقّق نجاحًا في عمله، لكنّ البناء الذي يمتدّ أثره في الدنيا والآخرة هو بناء الأسرة الصالحة، التي تكون موطن سكينة، ومنبعًا للقيم، ومصنعًا للأجيال.
ولعلّ أجمل ما نراه في ذكرى زواج عليّ وفاطمة(ع)، أنّ هذا البناء المبارك لم يقم على زخارف الدنيا، ولا على التكلّف والمغالاة، بل قام على الطهر والإيمان والبساطة والرسالة. لقد كان بيتًا متواضع الأثاث، عظيم المعنى، قليل المتاع، كثير البركة. وما أكثر البيوت التي تمتلئ بالأشياء وتخلو من الطمأنينة، وما أعظم بيتًا قلّت فيه الوسائل المادّيّة لكنّه امتلأ نورًا، ورضًا، وصدقًا، وإخلاصًا لله تعالى.
إنّ زواج النورين يعلّمنا أنّ قيمة الزواج لا تُقاس بما يُنفق فيه من مال، ولا بما يُحاط به من مظاهر، بل بما يُؤسّس له من مبادئ. فحين يكون الاختيار قائمًا على الدين، والأخلاق، والوعي، وحين تكون النيّة خالصةً لطلب رضا الله، يصبح الزواج بابًا للسكينة الحقيقيّة، ويغدو البيت محرابًا للمحبّة، ومدرسةً للتضحية، وساحةً لنموّ الفضائل.
ومن الدروس الملهمة في هذا الزواج المبارك، أنّ البناء الناجح لا يعني غياب التحدّيات، بل يعني القدرة على إدارتها بروح الإيمان. فالحياة الزوجيّة مهما سمت لا تخلو من التعب، ولا تنفكّ عن متطلّبات الحياة وضغوطها، لكنّ سرّ النجاح هو أن يتعامل الزوجان مع هذه الأعباء لا بوصفها معاول هدم، بل موادّ بناء جديدة تزيد الجدار تماسكًا. إنّ الصبر، والتفاهم، وحسن الظن، والاحترام المتبادل، كلّها أعمدة خفيّة تحفظ البيت من التصدّع.
ولذلك، فإنّ الشباب والفتيات وهم يقبلون على الزواج، أحوج ما يكونون إلى فهم هذا المعنى: الزواج ليس حفلةً ليوم واحد، بل هندسة عمر. وليس المطلوب فيه أن يبحث كلّ طرف عن شريك يحقّق له صورةً مثاليّة متخيّلة، بل أن يبحث عن إنسان صالح يمكن أن يُبنى معه مستقبل كريم. إنّ السؤال الأهم ليس: ماذا أريد أن آخذ؟ بل: ماذا أستطيع أن أقدّم؟ وليس: كيف أجد شخصًا كاملًا؟ بل: كيف أكون أنا شريكًا ناضجًا في بناء متين؟
ومن المؤسف أن كثيرًا من العلاقات تتعثّر لأنّها تبدأ من السطح لا من الجذر؛ من المظهر لا من الجوهر؛ من الانبهار لا من البصيرة. بينما يذكّرنا المعنى النبويّ بأنّ البناء إن لم يكن أساسه متينًا، فإنّ أجمل واجهاته لا تمنع سقوطه. ومن هنا، كانت الأخلاق أسبق من الجمال، والصدق أهمّ من البهرجة، والنضج أثمن من الادّعاء. فالشخص الذي يُعتمد عليه عند الشدائد، ويثبت عند الاختبار، ويصون العهد، هو المادة الحقيقيّة التي يُبنى بها البيت الآمن.
وفي بيت عليّ وفاطمة(ع)، نجد النموذج الأكمل للشراكة الرحيمة. لم يكن أحدهما عبئًا على الآخر، بل كان كلٌّ منهما سندًا لصاحبه. كانت العلاقة قائمة على المودّة التي تهدّئ القلوب، وعلى الرحمة التي تحتمل النقص البشري، وعلى الإخلاص الذي يجعل كلّ تعبٍ في سبيل الأسرة قربةً إلى الله. وهكذا صار ذلك البيت الصغير في مساحته، الكبير في رسالته، منبعًا للنور والكرامة والنسل الطاهر.
إنّ إحياء هذه الذكرى ليس مجرّد احتفال وجداني، بل هو دعوة لإعادة تصحيح مفهوم الزواج في مجتمعاتنا. نحن بحاجة إلى أن نعيد إلى الزواج معناه الرساليّ، وأن نخفّف عنه ما أثقلته به العادات من تكاليف مرهقة، وتوقّعات متضخّمة، ومقاييس بعيدة عن روح الدين. فكلّما كان الزواج أقرب إلى البساطة والوعي، كان أقدر على الثبات والاستمرار. وكلّما ابتعد عن التكلّف، اقترب من البركة.
وفي ختام هذه المناسبة العطرة، نقف بإجلال أمام هذا "البناء الأحبّ" إلى الله، مستلهمين من زواج عليّ وفاطمة(ع) معنى السكينة، وصدق الشراكة، ونبل الرسالة. إنّ الأسرة الصالحة ليست تفصيلًا ثانويًّا في حياة الأمّة، بل هي حجر الزاوية في نهضتها الروحيّة والأخلاقيّة. وإذا صلح البناء، صلح ما يُقام عليه، وإذا اشتدّ أساس البيت، قوي المجتمع كلّه.
فليكن الأوّل من ذي الحجّة مناسبةً لنتذكّر أنّ الزواج ليس مجرّد بداية حياة مشتركة، بل بداية بناءٍ يحبّه الله، ويرعاه، ويباركه. وليكن شعارنا في هذه الذكرى المباركة: أن نبني بوعي، ونختار ببصيرة، ونعيش بمودّة، ونصبر برحمة، حتى تكون بيوتنا امتدادًا لذلك النور الذي أشرق يوم اجتمع عليّ وفاطمة، فكان زواجهما درسًا خالدًا في أن أحبَّ البناء هو ما أُقيم على الإيمان، وشُيّد بالمحبّة، وثبت بالتقوى.