printlogo


printlogo


قبس من نور
حين تتحول العبادة إلى طريقٍ لا يخرجك من نفسك

ليس الضلال دائمًا توقفًا عن السير، بل قد يكون استمرارًا داخل دائرة مغلقة. فليست المشكلة أن تسير، بل أن تكتشف متأخرًا أنك لم تغادر نفسك يومًا، وأن الحركة لم تكن سوى إعادة إنتاج للمكان نفسه بصيغ مختلفة. ومع الوقت يتحول التكرار إلى وهمٍ دقيق: أنك تتقدم، بينما أنت تدور في النقطة ذاتها دون أن تدري.
وهنا يتغير السؤال: العبادة ليست فعلًا يُضاف إلى الحياة، بل مسار يُفترض أن يكسر مركزية الذات. غير أن هذا المسار قد ينقلب، إن غاب الوعي، إلى جزء من الدائرة بدل أن يكون خروجًا منها. والسؤال ليس: هل نتحرك؟ بل: إلى أين تأخذنا هذه الحركة أصلًا؟
قد تمتلئ حياة الإنسان بالفعل، لكنه لا يغادر نفسه خطوة واحدة. فالفعل حين يفقد أثره التحويلي يتحول من عبور إلى عادة، ومن عادة إلى حركة بلا أثر داخلي. وهنا لا يكون الخطر في قلة العمل، بل في كثرته حين يفقد اتجاهه. فقد يكون الإنسان نشيطًا جدًا، لكنه لم يتحرك في داخله قيد أنملة.
وفي هذا السياق يكشف القرآن هذا الوهم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فالمشكلة ليست في السعي، بل في أن يتحول السعي نفسه إلى حجاب عن إدراك الضلال. وهنا يتعمق السؤال: هل ما نفعله يفتح طريقًا، أم يعيدنا إلى أنفسنا بشكل أكثر إحكامًا؟
العبادة في جوهرها ليست كثافة حركة، بل انقلاب في الاتجاه. فقد يتشابه الفعلان في الظاهر، لكن أحدهما يحرر الإنسان من مركزه، والآخر يعيده إليه. لذلك لا تُقاس العبادة بكمّها، بل بقدرتها على تفكيك مركزية الذات. وفي هذا المعنى تأتي الهداية كثبات داخلي لا ككثرة انتقالات.
أما اليقين، فليس معرفة إضافية، بل وحدة داخلية تُنهي التمزق. ليس أن ترى أكثر، بل أن تنقسم أقل. وعندما يتوقف هذا الانقسام تبدأ الحركة الحقيقية لأول مرة، لا بوصفها انتقالًا، بل بوصفها خروجًا. واليقين لا يمنح طريقًا فقط، بل يكشف كم مرة كان الإنسان يظن أنه يسير وهو في مكانه.
والسكينة ليست وصولًا، بل كشف الاتجاه بعد توقف الضجيج الداخلي. عندها فقط تصبح الحركة ممكنة، لأنها لم تعد صراعًا بين اتجاهات متناقضة. ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فهي لحظة رؤية الطريق لا نهايته. ومن لا يحتمل وضوح الاتجاه، يعود إلى ضجيشه القديم.
والضياع ليس فعلًا عابرًا، بل حالة مغلقة: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. إنه فقدان البوصلة لا الطريق فقط، حيث يصبح الإنسان غير قادر حتى على إدراك أنه ضائع. وهنا يتحول التيه من مشكلة إلى نمط وجود.
في النهاية، ليست القضية: أين الطريق؟ بل: هل خرج الإنسان أصلًا ليراه؟ فقد تكون العبادة مرآة لا طريقًا، تكشف أن الإنسان لم يغادر نفسه بعد. والخطر الحقيقي ليس في الضياع، بل في الاطمئنان إلى طريق لم يبدأ أصلًا.