الإجابة:
حين يُطرح مصطلح الإنسانيّة أمامنا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن مجموعة من معاني الإحسان إلى البشر وإعلاء قيمة الكرامة الإنسانيّة، وإلى هذا الحدّ يتفق الجميع على أهمية ذلك وضرورته، بيد أن مصطلح الإنسانوية يحمل معانٍ أخرى أكثر خصوصيّة، ينفرد بها المنتمون لهذه الفكرة.
يتبّنى البعض ممن ينتسبون للإنسانوية شعار المذهب الإنسانوي أو الآدمية المشتركة أو الهيومانيّة، ومثلها من المسمّيات التي تدور في فلك هذا المعنى، والذي يجمع هذه الشعارات رفع قيمة الإنسان -وتأليهه أحيانًا- من خلال نزع القداسة عن الإله، وجعلها تحوم حول الإنسان، ليصير بذلك مركز الكون الأول ومصدر الحقيقة.
جذور المذهب الإنسانوي ليست حديثة أو طارئة، بل إن مظاهرها التي تمثّلت في التمركز حول الإنسان تعود إلى الماضي حتى العالم القديم، ابتداءً من العصور الهنديّة القديمة التي اعتقدت إمكانيّة اتحاد الإنسان بالإله عن طريق ممارسة تأمليّة روحانيّة، مرورًا باليهودية المحرّفة التي شوّهت صورة الإله ونسبت إليه صفات النقص في مقدرة عبده يعقوب هزيمته بعد صراع دار بينهما، ثم كانت المسيحيّة المحرّفة التي رأت أن الإله حلَّ في عبده عيسى ابن مريم عليهما السلام، وما تلاها من عصور النهضة والتنوير في أوروبا لمّا اعتمدت على العقل والعِلم وهمّشت الدين، والتي شهدت وفرة المكتشفات في الفلك والصناعة ما أدى إلى تعاظم شعور الإنسان بالسيطرة وإمكانيّة الاستغناء عن الإله بشكلٍ كامل.
لاحقًا، في عصر الحداثة ظهرت فكرة سيطرة العقل على جميع جوانب الحياة العلمية والفكرية والحياتيّة، وصولاً إلى عصر ما بعد الحداثة الذي تراجع عن سلطة العقل في فهم وتفسير كل شيء، وأتاح للإنسان تكوين فهمه الخاص ضمن بيئته وظروفه، وبالتالي لا وجود للحقيقة، بل تصوّر الإنسان للحقيقة.
في عام 1933م صدر البيان الإنسانوي الأول في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وعرّف الإنسانويّة بأنها حركة دينيّة تهدف إلى التعالي وتجاوز الأديان السابقة ذات الأصل الإلهي، وفي عام م1973م صدر البيان الإنسانوي الثاني، وتجلّت فيه قطيعة أكبر مع الدين إلى جانب ميول نحو الإلحاد، وأصدرت الجمعية الإنسانويّة الأمريكية البيان الإنسانوي الثالث عام 2003م بيّنت فيه رؤيتها التي تتمثّل في النزوع إلى الإلحاد، وتأليه الإنسان، وإنكار الحياة الأخروية، والاكتفاء بمنجزات العلوم الطبيعية والتجريبية واعتبارها مصدرًا وحيدًا للمعرفة، والقول بنسبية الأخلاق، وفصلها عن الدين.
أما بشأن العالم الإسلامي فقد خاضت مجتمعاتنا في تسعينات القرن الماضي تحوّلات فكريّة وسياسية عدّة نتج عنها تراجع الإعلام السياسي (التوجّه المطّلع نحو الحكم والدولة)، وظهور ما يُسمى اليوم بالدعاة الجدد، أو “إسلام السوق” والذي يمثّل مرحلة ما بعد الإسلام السياسي، حيث يمتاز خطابه بالسيولة، وتبنّي رؤية التنمية البشريّة الأمريكيّة، والبُعد عن الشأن السياسي والقضايا الشائكة، التركيز على الخلاص الفردي، العناية بالمظاهر المدنية الماديّة العولمية، والدعوة المجتزأة للدين.
ومع رواج الخطاب الديني المدني الجديد وعلوُّ صوت الثقافة الغربية الغالبة الداعية إلى المفاهيم الإنسانويّة، فإن عددًا من الدعاة الجدد يحاول بكل ما أوتي من قوة تقديم إسلام خفيف الدسم! سائل في مفاهيمه الحاكمة (كمفهوم الإيمان بالله والجهاد والحجاب وغيرها)، وإثبات أنّ الإسلام لا يتعارض مع الإنسانويّة بل يقبلها ويعتد بها، وذلك عن طريق إعادة تفسير النصوص والتراث الإسلامي تفسيرًا يُستبعد فيه أية دوافع دينية أو أخلاقية، ويبحث فيه فقط عن الدوافع المادية، يتمسّك بالمتشابهات ويتجاهل المحكمات ابتغاء تأويل الإسلام تأويلاً يتناسب مع الطرح الإنسانوي.
ومن أبرز العبارات التي يرددها المدافعين عن الإنسانويّة في البلاد الإسلامية اليوم قولهم: “دع الخلق للخالق”، “من أنت حتى تحكم على الناس”، “لا تدري أيهما أقرب إلى الله”، “علينا أن نقبل الإنسان بصرف النظر عن دينه وعقيدته وميوله”، “الدين لا يفرقنا”، ويعمدون إلى ذكر مفردة الإنسان بصيغة مطلقة دون أي إضافات تخصص أو تُقيّد.
فالمسلم -بحسب الديانة الإنسانويّة- عليه أن يتقبّل الإنسان رغم شذوذه الجنسي، وعليه أن يتقبّل عبادته لما نهى الله عنه، ويُفضّل أن يحافظ على سكوته عندما تُفتح سيرة الأديان، وإن لم يستطع فيؤكد أن الله يقبّل الجميع، والأديان كلها صحيحة، وكلنا إلى الجنّة؛ إذ إن المهم -بزعهم- أن يتقبّل ويتعايش، ويتسامح، أو بالأحرى “يمسح” شخصيته تمامًا أثناء حديثه مع من يُخالفه كي يحافظ على ودّه، وأثناء قيامه بذلك لا بأس أن يُضيّع الله، ومعاييره جلّ وعز، وهويته الدينيّة، وكيانه الشخصي، المهم الإنسان، الآخر.
ويمكن في سبيل ذلك أن يُميّع الإسلام ويردد أنه دين السلام، والتعايش، والمحبّة، وأنه يُحب الجميع، ويغض بصره عن كلّ الصفات التي وردت في الآيات القرآنية التي تقول بوضوح: (إن الله لا يحب...) ولا بأس -برأيهم-.. فإن المهم في النهاية هو الإنسان، سواء كان هذا الإنسان فاسقًا، أو كاذبًا، أو خائنًا، أو ظالمًا، أو كافرًا، أو منافقًا، أو فاسدًا...الخ.
كل هذا لا يهم، فهذا -بزعمهم- شأنه وحده، وله الحريّة الكاملة في سلوكه وخُلُقه، وجميعنا مطالبون بمحبته كإنسان حتى ترضى عنّا الديانة الإنسانويّة ومن ينتمون إليها.
في الواقع إن أنسنة العلاقات - أي جعلها قائمة على مبدأ الإنسانية بصرف النظر عن الهوية والمعتقَد- تستبعد المضمون الديني في صياغة علاقتنا بالآخرين، وتطمس الأوصاف القرآنية التي ميّز الله تعالى على أساسها الناس، كوصف المؤمن والمسلم والفاسق والكافر والمشرك والمنافق، وتضع هؤلاء جميعًا في مرتبة واحدة بناءً على اشتراكهم في الإنسانيّة، ليصبح المسلم واليهودي والوثني سواء لا فرق بينهم طالما أنهم يعملون لسعادة الإنسانيّة والسلام البشري حسب زعمهم. بينما لا يخفى على من يقرأ القرآن حق ترتيله، نازلاً بنفسه على هوى القرآن وليس نازلاً بالقرآن على هوى نفسه، أنّ مفردة الإنسان بالمطلق مذمومة في كثير من آيات القرآن إن فَقَد شرف الإيمان، ويُستثنى من عموم الذم أهل الإيمان.
ومن ذلك سورة العصر، في قسمه تعالى بالزمان على خسارة الإنسان التامّة، ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة، فقال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(سورة العصر: 3).
وذم سبحانه وتعالى جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل الإيمان، فقال: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (سورة المعارج: 19-22)، بل جعل الله تعالى منزلة الكفّار دون منزلة الأنعام إذ قال: (لَهُم قُلوبٌ لا يَفقَهونَ بِها وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها أُولـئِكَ كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولـئِكَ هُمُ الغافِلونَ) (سورة الأعراف: 179)؛ فكيف بعد ذلك يصح القول بأن الله عزّ وجل قد كرّم الإنسان بالمطلق بصرف النظر عن هويته الدينيّة، أو قول بعضهم: لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرّق بين أبناء آدم؟ كم من الآيات القرآنية يجب أن ننتزعها من المصحف الشريف ليتناسب القرآن مع المذهب الإنسانوي؟!
وممّا يرد عليهم من جهة أخرى: أنّ رؤيتهم في الواقع رؤية حالمة؛ إذ لا توجد دولة اليوم تعمل للإنسان بالمطلق، بل إن كل ثقافة معاصرة بلا استثناء تميّز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي أو غير ذلك من المقاييس؛ فلا ننخدع بما يروّج له الغرب بيننا وهو لم يعمل به!
عن الإمام أمير المؤمنين علي بنُ أبي طالب(عليه السلام): إنّ اللّه عزّ وجلّ ركّبَ في الملائكةِ عقلاً بلا شَهوةٍ، وركّبَ في البهائمِ شَهوةً بلا عقلٍ، وركّبَ في بني آدمَ كِلْتَيْهما، فمَنْ غلَبَ عقلُهُ شهوتَهُ فَهُو خيرٌ مِن الملائكةِ، و مَن غلَبتْ شَهوتُهُ عقلَهُ فهُو شَرٌّ مِن البهائمِ. (وسائل الشيعة 15: 209).
المصدر: مرکز الرصد العقائدي