printlogo


printlogo


الإمام الخميني وجبهة المستضعفين العالمية
أستاذ مشارك في معهد الحكمة والفلسفة الإيراني

 مقدمة
يُعَدّ الدفاع عن المظلومين والمستضعفين في العالم أحدَ الأهداف السامية في الإسلام، وقد أُعيد تبيينه وتوسيعه في القرن الأخير على يد سماحة الإمام الخميني ، مؤسِّس الثورة الإسلامية في إيران. فقد طرح هذا المبدأ الإسلامي الرفيع شعارًا محوريًا في نهضته الإسلامية. وبعد أن تحقّق هذا الهدف إلى حدٍّ كبير داخل إيران، وتحرّر البلد والشعب من نير الاستكبار الحكومي لنظام الشاه والاستكبار العالمي، سعى الإمام  إلى تعميمه في المجتمعات الإسلامية الأخرى، بل وفي العالم كلّه، ودعا جميع المظلومين إلى التحرّر من قبضة الظالمين.
مفهوم الاستضعاف والاستكبار وتطبيقاتهما
تُعدّ مفردة «المستضعف» ومشتقّاتها من الألفاظ كثيرة الورود في آيات القرآن الكريم. ومن الناحية اللغوية، يُعرَّف الاستضعاف بأنّه «جعلُ جماعةٍ ضعيفةً ومُهانة» (المعجم الوسيط).
وقد استخدم القرآن الكريم عنوان «المستضعف» في مصاديق متنوّعة، منها:
1. فردٌ مؤمن كالنبي هارون (ع) الذي كان  یستحق الزعامة، لكنّه بسبب عصيان الناس لم يتمكّن من ممارسة القيادة (الأعراف: 150).
2. جماعةٌ مؤمنة ينظر إليها المستكبرون باحتقار بسبب ضعفها المادي (الأعراف: 75).
3. أناسٌ وقعوا في الضلال تحت هيمنة حكّام غير مؤمنين (النساء: 97).
4. جماعةٌ استعبدها فرعون (القصص: 4) ووُعِدت بوراثة الأرض والقيادة فيها (القصص: 5؛ الأعراف: 137).
والقاسم المشترك بين هؤلاء المستضعفين جميعًا هو سعيُ المستكبرين للهيمنة عليهم.
ومن جهةٍ أخرى، يتحدّث القرآن الكريم عن نوعين من الاستكبار:
1. الاستكبار الفردي في مواجهة الله وعدم الخضوع للحقّ (الأعراف: 36، 40).
2. الاستكبار الاجتماعي في مواجهة الناس والتعالي عليهم (مثل: الأعراف: 75، 88).
فالمستكبرون هم الذين يضعون أنفسهم في مرتبة أعلى ضمن العلاقات الإنسانية والاجتماعية، ويستغلّون ممتلكات الآخرين لتحقيق مآربهم. أمّا المستضعفون فهم الذين عُدّوا ضعفاء، وتم تجاهل  حقوقِهم المادية والمعنوية.
وفي الأدب الديني والقرآني يُقسَّم المستضعفون إلى قسمين:
 المستضعفون القاصرون: وهم الذين لم يكن لهم دورٌ إرادي في وضعهم غير المرغوب فيه؛
 المستضعفون المقصّرون: وهم القادرون على إنقاذ أنفسهم من الاستضعاف لكنّهم لا يقومون بما ينبغي (النساء: 97–98).
المستضعف والمستكبر في فكر الإمام الخميني
يرى الإمام الخميني  أنّ التعدّي على حقوق الضعفاء والاستخفاف بهم من مصاديق الاستكبار. ولا يقتصر المستكبرون على القوى العالمية المتسلّطة؛ بل تشمل هذه الصفة الحكومات التي تستضعف شعوبها، وكلَّ من يعتدي على حقوق من هم دونه (صحيفة الإمام، ج7، ص489).
وبإحيائه وترويجه لمصطلح "المستضعف" في مقابل "المستكبر" (ج3، ص318)، كان الإمام  يرى المستضعفين لا على أنّهم ضعفاء حقيقيون، بل أناسٌ جُعلوا ضعفاء بفعل المستكبرين (ج10، ص121–122).
ومن أهم أسباب نشوء الاستضعاف: غفلةُ المستضعفين أنفسهم (ج9، ص129)، وشعورُهم بالعجز وفقدان الثقة بالنفس (ج14، ص306). فالمستكبرون يسعون دائمًا إلى ترسيخ الفقر الثقافي وسلب الاستقلال الفكري للمستضعفين. وهذه الدعایات، مع الضعف الثقافي وجهل المستضعفين بتعاليم القرآن والإسلام في مواجهة المستكبرين، تؤدّي إلى تبعيّتهم لهم، ومن ثمّ إلى استضعافهم اقتصاديًا أيضًا (ج4، ص19، 214).
المواجهة العالمية بين المستكبرين والمستضعفين
شدّد الإمام الخميني  على أنّ الهدف الأساس للأنبياء (ع) هو هداية البشر نحو المعنوية، وعدَّ مواجهةَ الأشراف لحماية مصالح الجماهير ومنع الظلم عنهم من وظائف الأنبياء (ع) (ج4، ص19). واعتبر أنّ جميع الأنبياء (ع) انبعثوا من الطبقات الفقيرة والمحرومة (ج4، ص215–216)، وأنّهم عبر الدعوة الدينية أدخلوا المستضعفين ميدانَ الثورة ضدّ المستكبرين (ج8، ص456). كما رأى أنّ من أوائل أهداف الإسلام وتعاليمه القضاءَ على المستكبرين ومنعَ استعمار المستضعفين واستغلالهم (ج7، ص117؛ ج4، ص214).
أ) وسائل نفوذ وهيمنة المستكبرين
طرح الإمام الخميني  أساليب الهيمنة الاستكبارية وسبل مواجهتها على المستوی العالمي ومستوی العالم الإسلامي.
1. المستوى العالمي:  تبعیة المستضعفین الفکریة للمستكبرين وفقدان الاستقلال الفكري والذاتي لدیهم(ج10، ص79).
2. مستوى العالم الإسلامي: كان الإمام  يرى أنّ الاستكبار العالمي نفذ إلى البلدان الإسلامية عبر العوامل الداخلية والحكومات المتخلّفة، وبالاستعانة بكتّاب وخطباء تابعين (ج17، ص203)، وأنّ المسلمين ابتُلوا بالاغتراب عن الذات نتيجة دعايات المستكبرين (ج11، ص110). وقبل انتصار الثورة، عدّ الإمام  معاناة الشعب الإيراني نتيجةَ الاستكبار الدولي والولايات المتحدة، واعتبر نظام الشاه أداةً لهم (ج1، ص419، 422). وبرأيه، فإنّ الاستكبار العالمي، بدافع عدائه الشديد للإسلام المحمّدي الأصيل (ج21، ص195، 328)، يسعى إلى إبعاد الناس عن الثورة وقطع صلتهم بالأهداف الاجتماعية والسياسية للإسلام (ج21، ص9)، وأعدّ في كلّ المجالات عناصر لإسقاط الثورة الإسلامية (ج21، ص87). وكان يحذّر من أنّ الاستكبار هاجم الثورة الإسلامية من كلّ المكامن السياسية والثقافية والعسكرية والاقتصادية (ج21، ص89).
ومن وجهة نظر الإمام الخميني، فإنّ سبل نفوذ الاستكبار داخل البلدان تشمل: إثارة الفرقة (ج17، ص326)، الترويج للمذاهب الشرقية والغربية ونشر "الإسلام الأمريكي" (ج14، ص405)، إشاعة الفساد والفحشاء والحرية الغربية (ج9، ص344)، اغتيال الشخصيات الثورية المؤثرة (ج21، ص120)، وتهميش العلماء الأصيلين والترويج لفكرة فصل الدين عن السياسة (ج17، ص203–204).
ب) سبل مواجهة نفوذ وهيمنة المستكبرين
یمکن دراسة وسائل مواجهة هذا النفوذ، في فكر الإمام الخميني ، في نطاقين:
1. اليقظة وقطع التبعية على المستوى العالمي: رأى الإمام  أنّ طريق الخلاص هو الاستيقاظ من سباتٍ مصطنع فُرض على بعض الفئات، ولا سيّما مفكّري البلدان المستضعفة (ج10، ص79)، واعتبر يقظةَ الشعوب المستضعفة الخطوةَ الأولى نحو النصر (ج12، ص382). وعدَّ قبولَ الظلم والاستسلامَ للاستعباد أسوأَ من ممارسة الظلم نفسه (ج12، ص32–33)، وحذّر البلدان الخاضعة للاستكبار من أنّها إن لم تعتمد على نفسها فستبقى أسيرة إلى الأبد (ج12، ص147). كما دعا المستضعفين إلى عدم انتظار مبادرة حكوماتهم للقيام ضدّ المستكبرين (ج14، ص139)، لأنّ أغلب حكّام الدول الضعيفة يسيرون وفق الخطوط العامّة للاستكبار (ج17، ص429).
2. وحدة كلمة المسلمين: اعتبر الإمام  التفرّق سبب شقاء المسلمين عبر التاريخ، ورأى في وحدة الكلمة أمرًا إعجازيًا لحلّ المشكلات (ج17، ص326)، وعدّ القيام ضدّ المستكبرين تكليفًا على عاتق الدول الإسلامية (ج13، ص343). وللثبات أمام مؤامرات الاستكبار، أكّد على أمرين:
    الحفاظ على الوحدة والتماسك في مواجهة الاستكبار (ج9، ص21–10).
    النضال غير المساوِم حتى قطع جميع أشكال التبعية للقوى العظمى (ج9، ص115؛ ج11، ص110).
وكان الإمام  يرى أنّ الإسلام حلّ مشكلة ضعف التواصل بين المجتمعات الإسلامية بفريضة الحج، حيث يجتمع المسلمون من مختلف البلدان في مكان واحد؛ فإذا اغتنمت الدول الإسلامية هذه الفرصة فلن يفلح المستعمرون في مواجهة المسلمين (ج9، ص330–331). ومن أجل تجسيد هذا الفكر عمليًا، أعلن الإمام آخرَ جمعةٍ من شهر رمضان المبارك "يومَ القدس"، ودعا جميع الناس إلى مواجهة الاستكبار العالمي (ج9، ص276)، كما أكّد على مراسم "البراءة من المشركين" في أيام الحج، ودعا الحجاج إلى ساحة المواجهة  للاستکبار العالمي (ج10، ص338–339).
نهضة المستضعفين العالمية
شدّد الإمام الخميني ، استنادًا إلى وعد الله في القرآن الكريم (القصص: 5)، على انتصار المستضعفين على المستكبرين (ج6، ص457)، ورأى أنّ السلام العالمي مرهون بزوال المستكبرين، وأنّه ما دام هؤلاء الطغاة المتسلّطون موجودين فلن يصل المستضعفون إلى إرثهم (ج12، ص144). واعتبر أنّ السبيل الوحيد للقضاء على المستكبرين هو تشكيل جبهة موحّدة للمستضعفين (ج9، ص280)، ودعا مستضعفي العالم إلى توحيد صفوفهم وتأسيس حزب عالمي للمستضعفين لحلّ مشكلاتهم بإرادة حازمة (ج9، ص280–281).
ووصف الإمام الثورة الإسلامية الإيرانية بأنّها خطوة في هذا المسار (ج11، ص133)، وسمّاها نهضةَ المستضعفين ضدّ المستكبرين (ج6، ص532). ودعا مستضعفي العالم إلى النهوض (ج11، ص376)، والاستلهام من تجربة الثورة الإيرانية (ج6، ص499)، والتغلّب على المستكبرين تحت راية الإسلام وانتزاع الأرض من أيدي الناهبين (ج12، ص103–104). واعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية حكومةَ المستضعفين (ج18، ص420)، وعرّف الثورة الإسلامية بأنّها سندٌ للشعوب المظلومة في نضالها ضدّ المستكبرين (ج12، ص148)، وأعلن بصوتٍ عالٍ أنّه أينما قامت معركة ضدّ الاستكبار فستكون الثورة الإسلامية حاضرةً للدفاع عن المظلومين (ج12، ص148).
كما كان يؤمن بأنّ إقامة روابط متينة بين المجتمعات الإسلامية تمكّن من تأسيس حزبٍ جامعٍ للمسلمين لمعالجة قضايا العالم الإسلامي (ج9، ص331). وعلى هذا الأساس أعلن عام 1358هـ.ش ضرورةَ تأسيس حزب المستضعفين، وسمّى يومَ القدس يومَ التعبئة الإسلامية العامة، واعتبره مقدّمةً لتشكيل حزبٍ واحد باسم حزب المستضعفين في جميع أنحاء العالم (ج9، ص280). ورأى أنّ وحدة مستضعفي العالم من مختلف الأديان والمذاهب هي الطريق الوحيد لزوال المستكبرين (ج17، ص429).
الخلاصة
إنّ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية وصمود الجمهورية الإسلامية طوال خمسة عقود في مواجهة منظومة الاستكبار العالمي أظهرا لشعوب العالم، ولا سيّما المسلمين، أنّ مواجهة المستكبرين، بل والانتصار عليهم، هدفٌ قابل للتحقّق. وقد مثّلت يقظةُ المسلمين في بلدان متعدّدة، وتوسّعُ بؤر المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، خطواتٍ أخرى نحو وحدة العالم الإسلامي. وفي السنوات الأخيرة، ولا سيّما بعد "طوفان الأقصى" الذي أطلقه أبطال حماس، تجاوزت حركةُ مقاومة الاستكبار حدودَ الجغرافيا الإسلامية، حتى إنّ شعوب الدول التي تقود  الاستكبار خرجت احتجاجًا على ظلم قادتها. واليوم أصبحت فلسطين المظلومة حدًّا فاصلًا بين الحقّ والباطل، وارتفع علمُ فلسطين رمزًا لمشروع مقاومة الاستكبار والدفاع عن المظلومين في أيدي أحرار العالم.
المصادر
 القرآن الكريم.
 الخميني، السيد روح الله، صحيفة الإمام، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1378هـ.ش..