الاجتهاد: تتمتع الحوزة العلمية بمكانة خاصة لدى عامة الناس لما لعالم الدين ولهذه المؤسسة من دور ريادي منقطع النظير في تحديد مسار العالم الشيعي بل والعالم الإسلامي بشكل عام فبكلمة رئيس الحوزة العلمية للشيعة يمكن أن تتغير معادلات بأكملها في نقطة ما من العالم الشيعي بل في العالم أجمع كما هو حاصل في العقود الأخيرة.
إنّ هذه المكانة المرموقة التي وصلت إليها المؤسسة العلمية الشيعية لم تكن نتيجة مرسوم اعتباري من ملك أو خليفة أو نتيجة إشهار السيف من قبل القائمين على هذه المؤسسة على رقاب عامة الناس بل هو نتيجة طبيعية لما قدمته وتقدمه هذه الحوزة من إسهامات بناءة في وسط الأمة على مدى عشرات القرون دفعت ثمنه باهظاً من عرق وتعب ودماء المئات بل الآلاف من المنتسبين لهذه المؤسسة وهو ما لا نجد مثيلاً له في أي مؤسسة دينية أو دنيوية أخرى.
هذه المكانة وهذا الدور الخطير الذي تتصدى له المؤسسة الدينية يعرض عليها الانتباه والحذر الشديد تجاه ما يمكن أن تتعرض له من أخطار داخلية نتيجة التهاون أو خارجية نتيجة طمع العدو في التخلص من السد المنيع الذي يقف أمام مشاريعه الاستيلائية على خلق الله ومصالحهم.
وقد التفت الإمام الخميني(قد) إلى هذه الأخطار التي يسلم الجميع بوجودها وقدم التوصيات اللازمة والعملية للقضاء عليها أو الحد من آثارها المخربة فكانت له هذه الخطوات.
1ـ التحقيق حول المنتسبين لهذا السلك:
لو سألنا أي شخص متصدي لمسؤولية ما في مؤسسة ما كبرت أو صغرت هذا السؤال: هل يشترط في الموظف أو العامل أو المنتسب لمؤسستكم شروط معينة زائدة على الشروط العامة من العقل والإنسانية وعدم كونه صغيراً أو سفيها لكان جواب الجميع بالإيجاب بل ربما يستغرب بعضهم توجيه هذه التساؤل.
هذا الأمر البديهي الذي يسعى الجميع مهما صغرت مسؤولية مؤسساتهم إلى توفره في المنتسبين لهم لا نجد الاهتمام الكافي به في الحوزة بل مازال الكثير يصر على رفض مثل هذا الأمر فلا مكان للتساؤل عن تاريخ من يريد الانتساب للحوزة ولا للتحقيق في ما يحمل من أفكار ومتبنيات وما هي سلوكياته على المستوى الشخصي وبذلك يصبح أهم الأمور وأغلاها في حياة الناس ومماتهم وهو الدين يصبح من أزهدها وأرخصها.
لقد اعتنى الإمام الخميني بهذا الأمر قبل انتصار الثورة وبعدها يقول(قد) في لقاءه مسؤولي التحقيق في الحوزة العلمية:
(توجد أطماع من مختلف الجهات في الحوزة العلمية، لأنهم يستطيعون على المدى البعيد أن يهدموا ما نبنيه وإن تحقيقكم حول سوابق الأشخاص هو أمر جيد لأن هناك من كان سيئاً قبل الثورة أو بعدها والآن يقول أنا تبت ومن الممكن أن تكون توبته من أجل المصلحة فقط فيجب الالتفات حتى لا يفسد هؤلاء الحوزة).
2ـ الاهتمام بالشأن الأخلاقي لطلاب الحوزة:
إن الكثير من طلاب الحوزة العلمية في قم يتذكرون كيف كان الإمام يهتم بتهذيب النفس لتلامذته فدرس عصر الجمعة الذي كان يلقيه في المدرسة الفيضية كان له الأثر الكبير على صقل النفوس المستعدة والتي حملت على عاتقها مسؤوليات كبار فيما بعد مترفعة عن الأنانية وحب الذات.
ومع كل المشاغل والمسؤوليات التي كانت على كتف الإمام في إدارة شؤون الثورة وهو في النجف الأشرف إلا أنه كان يدرس الطلاب دروس الأخلاق أيضاً وهو ما جمع فيما بعد في كتاب الجهاد الأكبر بل أن الكثير من خطبه بعد انتصار الثورة وفي خضم الأحداث الكبيرة لا تخلو من إشارة أو تصريح إلى شأن أخلاقي لتربية النفوس وخاصة التحذير من حب الذات.
يقال أن المرحوم آية الله مشكيني(قد) تحدث يوماً في حسينية جمران بحضور مسؤولي النظام فأثنى على الإمام وبمجرد أن انتهى من كلامه خاطبه الإمام(قد): (إن النفس ومن دون مدح وإطراء يصيبها الغرور فكيف إذا مُدحت).
يقول(قد) في هذا المجال في أول خطاب له في المدرسة الفيضية بقم بعد الانتصار: (يجب أن تستيقظ الحوزة العلمية… التقوى التقوى التقوى اجعلوها نصب أعينكم. ايها الفضلاء، يا طلاب العلوم الدينية التقوى التقوى تنزيه النفس مجاهدة النفس من يجاهد نفسه يستطيع أن يحكم أمة. هذبوا حوزاتكم).
3ـ القضاء على التنازع:
كما هو في كل حركة ونشاط وفي كل مشروع وعمل جماعي فإن الاختلاف في وجهات النظر أمر يلازم ذلك العمل ولا يمكن انفكاكه وهذا أمر طبيعي حيث الاختلاف في الفهم وتفاوت القابليات بين الأشخاص حتى لو صفت نياتهم.
إلا أن ما ليس بطبيعي هو تطور الخلاف في الرأي بين المؤمنين إلى نزاع وتخاصم وسراية هذا الاختلاف من القيادات وفضلاء الحوزة إلى عامة الناس ومن هنا يتحتم على القيادات العمل من أجل الحد من دون التحول إلى النزاع وبين المؤمنين بمشروع واحد يخدم الإسلام.
في برهة من تاريخ الثورة بعد الانتصار وصل اختلاف وجهات النظر بين فريقين من المجاهدين إلى حد الانشقاق وتأسيس جمعية أخرى للعلماء انفصلت عن الجمعية الأم وهو أمر غير مرغوب فيه إلا أنه وبعد وصول الأمور إلى هذه الدرجة يأتي دور القائد في تهدأة النفوس والحد من الخسائر بل وتحويلها إلى مكاسب للمشروع الذي يحمل ويؤمن به كل من الطرفين.
لقد عالج الإمام الخميني(قد) ما حصل بين حوارييه بعدة توصيات:
1ـ إنّ هذا الاختلاف يجب أن يبقى محصوراً في الأساليب والتكتيكات العملية لإدارة الدولة ولا يسرى إلى الأهداف الكبرى فلا ضير مازال الفريقان يشتركان في أصول الثورة ويدافعان عن أحكام الإسلام والقرآن ويؤمنان بمواجهة الكفر والاستكبار العالمي.
يقول(قد) في جوابه على سؤال حول نظرته لمثل هذا الاختلاف الذي لا يمس الأصول (دائماً يقع الاختلاف بين العلماء والفقهاء في مختلف الشؤون حتى في المسائل المدعى عليها الإجماع من الممكن أن يوجد من يخالفها ناهيك عن الاختلاف بين الأصوليين والإخباريين فهل يمكن أن نعتبر الفقهاء وبسبب هذا الخلاف يعملون ـ والعياذ بالله ـ بغير الحق وخلاف الدين!!.
ويجب عليك أن تعلم أن الاختلاف ما دام لم يتجاوز مثل هذه الحدود فإنه لا خطر يهدد الثورة وإن الخطر يكمن عندما تصل الاختلافات إلى الأصول والمباني التي يقوم عليها النظام ولذا فإنني أقبل هذا الاختلاف بين أنصار الثورة حيث أنهم أوفياء للبلد وقلوبهم تحترق من أجل الشعب وكل واحد منهم يريد أن يخدم الإسلام بالنظرية التي يؤمن بها كل واحد من الجناحين يريد أن يصبح الإسلام قوة عظمى في العالم. إلا إنه يجب عليهم الالتفات إلى أن تكون مواقفهم مع محافظتها على أصول الإسلام تحافظ على الغضب الثوري تجاه الرأسمالية الغربية وبالخصوص أمريكا المعتدية والشيوعية والاشتراكية العالمية. على كل الجناحين أن يثبتوا بكل وجودهم على نظرية لا شرقية ولا غربية وفي حال عدول أحد ما عن هذا الشعار يجب أن يقوّم بسيف العدالة الإسلامية).
2ـ الحذر من الخناسين الذين لا همَّ لهم سوى النميمة بين الأفرقاء وقد يكون بعضهم مدسوساً من أجل هكذا هدف أو لا أقل يكون جاهلاً بالنتيجة التي يمكن أن يصل إليها عمله وجهده.
يقول(قد) مخاطباً العلماء من الجانبين: (على أي حال إن أحد الأعمال التي تحوز رضا الله تعالى على نحو اليقين هو تأليف القلوب والعمل على رفع ما في الخواطر وتقريب وجهات النظر. يجب أن يحتاط من الواسطات الذين لا شغل لهم إلا ترويج إساءة الظن بالجهة الأخرى. إنّ لديكم من الأعداء المشتركين ما يوجب عليكم الاتحاد للوقوف بوجههم).
تتابع