هناك بعض التأملات النافعة في بعض الأدعية الرجبية المباركة.. منها ما جاء في الدعاء الذي كان يدعو به الإمام الصادق(ع) في كلّ يوم من رجب، وهذه التأملات تبين جزءًا من فضل الخالق على عباده وتجاوزه ورحمته: «...وَرِزْقُكَ مَبْسُوطٌ لِمَنْ عَصاكَ، وَحِلْمُكَ مُعْتَرِضٌ لِمَنْ ناواكَ، عادَتُكَ الإحْسانُ إلى المُسِيئِينَ، وَسَبِيلُكَ الإبْقاءُ عَلى المُعْتَدِينَ...».
فهذه المقامات الأربعة هي حقيقة لا تليق إلا بالخالق الغني الحميد المطلق، وأنَّ العبد المحتاج الفقير المطلق عليه أنْ يعترف بذلك أولًا، ويذعن لهذه الحقيقة آخرًا، من دون أنْ يخدع نفسه بما يملك من قوة مادية أو معنوية، أو يحاول الشيطان أنْ يوسوس له أنّه يمكنه أنْ يقوم ما يشاء بما يملك من قوًى متعددة، وخصوصًا أيام شبابه، فإنّها في الواقع نعمة من الله تعالى وعليه أنْ يؤدي حقها وشكرها.
لقد كان الإنسان -بصورة عامة- يحاول -جاهلًا أو جاحدًا- أنْ ينسب القوة والعطاء والخير لنفسه من دون بيان مقام الخالق لذلك، بل يتعدى أكثر فيستخدم هذه النعم الإلهية في المعاصي المختلفة الظاهرة أو الباطنة؛ غرورًا واغترارًا بحلم الله تعالى في عقابه، فضلًا عن أنّه تعالى يرزقه ما يشاء من جهة رحمته الواسعة بعباده عامة، أو من جهة تذكيره بهذه النعم المتوالية عليه لعله ينتبه إلى مصدرها، فيعترف بذلك ويؤوب إليه.. فهو بالتالي أرحم الراحمين، وهذا ما لا تجده في أيِّ منعمٍ إلا في المنعم الحقيقي (الله).
ومن مقاماته الأخرى التي تبهر العقول في حساباتها المادية، وتخالف الطبيعة البشرية في التعاملات المعهودة بينهم: الحلم العظيم للخالق تجاه المخلوق الذي يأكل رزقه ويجحد الرازق، ويعترف بوجوده ويكفر بالموجِد، ويعصيه آناء الليل وأطراف النهار، ويعتدي على الحرمات، بل يتجرأ على الله بالمحرمات، والله تعالى يدعوه بحلمه ورأفته:
﴿وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ (طه: 82)، وهذا درس تربوي في التعامل مع الذين يعتدون على الآخرين بضرورة بيان آثار الاعتداء المعنوية على النفس الإنسانية، وتلويثها للفطرة السليمة، وتخلُّق المخلوق بالحلم ومكارم الأخلاق كما يريده الخالق له؛ كمالًا لهذه النفس، وارتقاءً بها نحو المعالي.
ومن مقامات المعبود العظيمة التي لا يمكن أنْ يغفلها أحد: إعطاء الفرصة بعد الأخرى لعباده وإنْ كانوا من العصاة المعتدين على مقام المعبود تارة، وحقوق الآخرين أُخرى، فهو لا يقابلهم بالإساءة التي يستحقونها، أو العقوبة التي تكون رادعًا لهم، بل يفسح لهم الأمل بمراجعة النفس وتطهيرها من المعاصي وآثارها، فيبقى إحسانه عظيمًا عليهم، ومقابلة الإساءة بالإحسان من أعظم مكارم الأخلاق التي لا بد من التخلُّق بها للإنسان المؤمن عامة، وللمؤمن القدوة خاصة، الذي ينبغي عليه أنْ يضحي بنفسه من أجل الإحسان إلى الآخرين، وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم.
إنَّ هذه المقامات الأربعة هي من مكارم الأخلاق ومعاليها، ويجب على الإنسان السائر في طريق تكامله التأمل والتدبر، وترويض النفس عليها؛ ليكون أهلًا لأداء الرسالة الإلهية.
المصدر: نشرة الکفیل